مقالات

الارتدادات الخمس للحرب الأمريكية – الإيرانية على اليمن

الكاتب | توفيق الحميدي

اليمن اليوم ليست خارج الحرب الدائرة علي تخوم الخليج العربي، ولا حتى على هامشها، بل يقع في قلب ارتداداتها الأعمق، حيث لا تُقاس التأثيرات بمدى المشاركة المباشرة في القتال، بل بدرجة الانكشاف البنيوي أمام التحولات الكبرى. وبينما تتجه الأنظار إلى الخليج ومضيق هرمز، تتشكل على الضفة الأخرى ارتدادات موازية في مضيق باب المندب، تجعل من اليمن نقطة تماس غير مرئية في صراع يتجاوز حدوده.

في هذا السياق، لا تظهر الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران كحدث خارجي بالنسبة لليمن، بل كقوة تعيد تشكيل واقعه من الداخل، عبر سلسلة من الارتدادات المتتالية التي تكشف هشاشة بنيته السياسية والاقتصادية، وتعيد تعريف موقعه في معادلات الإقليم.

أولى هذه الارتدادات تتجلى في قطاع الطاقة، لكنها في الحالة اليمنية لا تأخذ شكل ارتفاع الأسعار فقط، بل تكشف عمق الاعتماد على الخارج. فاليمن، الذي لا يمتلك بنية إنتاجية مستقرة، يواجه أي اضطراب في الإمدادات بوصفه تهديدا مباشرا للحياة اليومية. غير أن المفارقة الأعمق تكمن في أن اليمن، بدل أن يكون مستفيدا من موقعه كممر حيوي للطاقة، أصبح جزءً من معادلة تهديدها، بما يحول الجغرافيا من مصدر قوة إلى عبء استراتيجي.

الارتداد الثاني يظهر في الاقتصاد الاجتماعي غير المرئي، المتمثل في التحويلات المالية من المغتربين. فهذه التحويلات ليست مجرد تدفقات مالية، بل هي ركيزة لاستقرار ملايين الأسر. ومع أي اهتزاز في اقتصادات الخليج أو تغير في سياساته، يصبح هذا المصدر الحيوي مهددًا، ما يكشف خللًا بنيويا يتمثل في اعتماد المجتمع على الخارج، في ظل غياب أدوات حماية داخلية فعالة.

أما الارتداد الثالث، فيرتبط بالملاحة والتجارة الدولية، حيث أدى التوتر في البحر الأحمر إلى إعادة رسم طرق الشحن العالمية. لكن في الحالة اليمنية، لا تكمن المشكلة في ارتفاع التكاليف فقط، بل في الغياب الكامل عن معادلة الاستفادة. فبدل أن تتحول الموانئ اليمنية، وعلى رأسها عدن، إلى بدائل لوجستية، بقيت خارج التنافس، نتيجة الانقسام السياسي وغياب الأمن، ما أدى إلى فقدان فرصة استراتيجية نادرة.

الارتداد الرابع ذو طابع جيوسياسي، حيث أعادت الحرب ترتيب النفوذ في المنطقة، لكنها في اليمن كشفت فراغًا سياديًا واضحًا. فالدولة لا تظهر كفاعل يمتلك قرارًا، بل كساحة تتحرك فيها قوى متعددة. وفي غياب سياسة خارجية مستقلة، يصبح اليمن موضوعًا للسياسات لا صانعًا لها، ما يكرس موقعه الهامشي رغم أهميته الجغرافية.

أما الارتداد الخامس، فهو الأكثر تعقيدا وخطورة، ويتمثل في تعميق منطق الحروب بالوكالة. فاليمن لم يعد فقط ساحة لصراع داخلي، بل أصبح جزءًا من شبكة صراعات إقليمية متداخلة، ما يجعل أي تصعيد خارجي ينعكس مباشرة على مساره الداخلي، ويؤخر إمكانيات التسوية والاستقرار.

ورغم حدة هذه الارتدادات، فإنها تكشف في الوقت ذاته عن فرصة كامنة، تتمثل في إمكانية إعادة تعريف موقع اليمن ووظيفته. فالدول لا تُبنى فقط في لحظات الاستقرار، بل أحيانًا في قلب الأزمات، حين تُجبر على مراجعة خياراتها.

يمتلك اليمن عناصر قوة كامنة، في مقدمتها موقعه الاستراتيجي، لكن تحويل هذه العناصر إلى قوة فعلية يتطلب انتقالًا من منطق التلقي إلى منطق الفعل. يبدأ ذلك بإعادة توظيف الجغرافيا كأداة سيادية، عبر تحييد الممرات البحرية وتحويلها إلى مصدر استقرار لا توتر. كما يتطلب إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية تقلل من الاعتماد على الخارج، وتعزز القدرة على الصمود.

وفي المستوى السياسي، لا يمكن لأي تحول حقيقي أن يتحقق دون استعادة القرار الوطني، وصياغة سياسة خارجية تعكس مصالح اليمن لا مصالح الآخرين. فالدولة التي لا تمتلك قرارها، لا تستطيع حماية موقعها، مهما كانت أهميته.

في النهاية، لا تكشف الحرب فقط عن اختلالات الإقليم، بل تكشف أيضًا عن طبيعة الدول وحدود قدرتها على التكيف. واليمن، في هذا السياق، يقف أمام لحظة اختبار حاسمة: إما أن يبقى ساحة تتلقى ارتدادات الصراع، أو يتحول إلى فاعل يعيد توظيف موقعه ضمن هذه التحولات.

وبين هذين المسارين، يتحدد مستقبل اليمن، لا بوصفه جغرافيا فحسب، بل بوصفه مشروع دولة لم يكتمل بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى