تحليلات

زيارة السفير الألماني إلى مأرب.. أكثر من مجرد بروتوكول دبلوماسي

المهندس/ صالح السقاف مدير التخطيط والتعاون الدولي بمأرب

في عالم العلاقات الدولية لا تُقاس أهمية الزيارات الرسمية بعدد اللقاءات أو المواقع التي تُزار، وإنما بما تحمله من رسائل وما تفتحه من آفاق للتعاون والشراكة. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة زيارة السفير الألماني والوفد المرافق له إلى مأرب باعتبارها زيارة نوعية تجاوزت حدود البروتوكول إلى الاطلاع المباشر على واقع المحافظة وفرصها وتحدياتها.

ومنذ اللحظات الأولى للزيارة، عكس الاستقبال الذي حظي به الوفد من قبل عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ محافظة مأرب اللواء سلطان بن علي العرادة وقيادة السلطة المحلية مستوى الثقة والاحترام المتبادل بين مأرب وشركائها الدوليين. كما أتاحت الزيارة للسفير فرصة مشاهدة الواقع عن قرب بعيداً عن التقارير والانطباعات المسبقة، والاطلاع على تجربة مأرب في الصمود والاستقرار رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

لقد رأى الوفد محافظة استطاعت أن تواجه تحديات الحرب والنزوح الهائل، وأن تتحول في الوقت ذاته إلى مركز اقتصادي وتنموي نابض بالحياة يحتضن ملايين اليمنيين ويواصل أداء دوره الوطني والتنموي بكفاءة لافتة.

وتميزت الزيارة بتنوع محطاتها، حيث شملت مخيمي السويداء والجفينة للنازحين، وعدداً من منظمات المجتمع المدني العاملة في المجالين الإنساني وبناء السلام، وهو ما عكس استمرار الاهتمام الدولي بالقضايا الإنسانية وإدراك أهمية الدور الذي تؤديه المنظمات المحلية في تعزيز الاستقرار والتعافي.

كما زار الوفد جامعة إقليم سبأ وهيئة مستشفى مأرب، في رسالة تؤكد أن التنمية المستدامة تبدأ بالاستثمار في الإنسان من خلال التعليم والصحة. وشملت الزيارة أيضاً قناة سبأ الفضائية، بما يعكس اهتماماً بفهم البيئة الإعلامية المحلية ودورها في تعزيز الوعي والاستقرار.

وفي مشروع “مسام” لنزع الألغام، اطلع السفير على الجهود الإنسانية الكبيرة التي تبذلها المملكة العربية السعودية في إزالة الألغام وحماية المدنيين وتهيئة المناطق المتضررة لعودة الحياة والتنمية، وهو نموذج عملي للأثر الإنساني الذي يلامس حياة الناس بشكل مباشر.

أما زيارة معبد أوام التاريخي فقد حملت بعداً ثقافياً مهماً، باعتباره أحد أبرز معالم الحضارة اليمنية القديمة، ولما يمثله أيضاً من رمز للتعاون العلمي والثقافي بين اليمن وألمانيا، حيث كان للبعثات الألمانية دور بارز في أعمال التنقيب والكشف عن أجزاء مهمة من هذا الموقع الأثري العالمي.

وقد حققت مأرب من هذه الزيارة جملة من المكاسب المهمة، أبرزها تعزيز حضورها في خارطة الاهتمام الدولي، ونقل صورة واقعية عن تجربتها في إدارة تحديات النزوح والتنمية، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات التعليم والصحة والتنمية المحلية وحماية التراث وبناء القدرات. كما عززت الزيارة ثقة الشركاء الدوليين بالمؤسسات المحلية وقدرتها على إدارة المشاريع وتحقيق أثر تنموي ملموس.

ولعل القيمة الحقيقية لهذه الزيارة أنها لم تكن زيارة لسماع رواية عن مأرب، بل لرؤية مأرب على حقيقتها؛ مدينة استطاعت أن تحافظ على الأمن والاستقرار، وأن تستوعب أعداداً هائلة من النازحين، وأن تواصل البناء والتنمية في ظروف بالغة التعقيد. وهي صورة من شأنها أن تعزز ثقة المجتمع الدولي بالمحافظة وتفتح المجال أمام شراكات أوسع خلال المرحلة القادمة.

لقد غادر السفير الألماني مأرب وهو يحمل صورة مختلفة عن مدينة لم تستسلم للتحديات، ومجتمع لم يفقد قدرته على البناء، وسلطة محلية نجحت في ترسيخ نموذج جدير بالدعم والاهتمام. ولذلك فإن أهمية هذه الزيارة لا تكمن فقط فيما شهدته من لقاءات وجولات، بل فيما يمكن أن تؤسس له من تعاون مستقبلي يخدم التنمية والاستقرار ويعزز حضور مأرب كنموذج يمني ناجح في زمن الأزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى