
تمتد العلاقة بين اليمن والمملكة العربية السعودية عبر تاريخ طويل من الجوار والمصالح المشتركة والروابط الاجتماعية والإنسانية. ويظل اليمن عمقًا استراتيجيًا للمملكة والمنطقة بشكل عام، كما أن المملكة حريصة على أن يكون اليمن آمنًا ومستقرًا وقادرًا على استعادة مؤسسات دولته.
ومن الطبيعي أن ترفض المملكة وجود جماعات إرهابية أو أفكار متطرفة على حدودها تهدد أمنها واستقرارها ومصالحها، أو تشكل خطرًا على مسيرة التنمية والنهضة التي تشهدها. وخلال سنوات الحرب لم تدخر المملكة جهدًا في دعم اليمن، حيث سخرت إمكاناتها العسكرية والسياسية والإنسانية، وقدمت الدعم اللوجستي والعسكري، وعالجت الجرحى، وأسهمت في مختلف الملفات المرتبطة بالمعركة واستعادة الدولة.
غير أن الخلل الذي رافق هذه المرحلة لم يكن سببه الدعم أو غيابه، بل يعود بدرجة كبيرة إلى أداء بعض النخب اليمنية التي لم تستثمر الفرصة بالشكل الصحيح. فبدلًا من توجيه الموارد لخدمة المعركة الوطنية وتعزيز مؤسسات الدولة، اتجه البعض إلى تحقيق مكاسب شخصية، واستغلال المناصب للمصالح الخاصة، وتمكين الأقارب والمعارف على حساب الكفاءة والاستحقاق.
لقد دعمت المملكة مختلف القوى والأحزاب والقبائل، لكن كثيرًا من الجهات التي تلقت هذا الدعم لم تقدم نموذجًا يُحتذى به في الإدارة أو النزاهة أو المسؤولية. بل إن بعض من يهاجمون المملكة اليوم كانوا من أكثر المستفيدين من الدعم المالي والعسكري، ثم وجهوا تلك الموارد لخدمة مصالحهم الخاصة بدلًا من خدمة الوطن.
ومع مرور الوقت تراجعت الثقة نتيجة ممارسات الفساد والمحسوبية، حيث أصبحت التعيينات تقوم على القرابة أكثر من الكفاءة، وأصبح المنصب لدى البعض وسيلة للثراء لا أداة لخدمة المواطنين.
لقد قدمت المملكة الكثير لليمن دون منٍّ أو أذى، ويبقى على اليمنيين اليوم أن يراجعوا تجربتهم بصدق، وأن يعملوا على تقديم نماذج وطنية نزيهة وقادرة على إعادة بناء الثقة مع الأشقاء والجوار، بعد أن فشلت بعض النخب السابقة في أداء مسؤولياتها وانشغلت بمصالحها الخاصة ومشاريعها الخارجية بعيدًا عن معاناة المواطن اليمني.
كما أن الترويج المستمر لفكرة المؤامرة الخارجية لا يخدم القضية الوطنية، بل يستخدمه بعض الفاسدين للتغطية على أخطائهم وإخفاقاتهم بدلًا من تحمل المسؤولية والمحاسبة.
لقد أُهدرت فرص كثيرة بسبب الانقسامات والخلافات الضيقة والعجز عن توحيد الجهود نحو هدف استعادة الدولة. وبينما كان المطلوب التوجه نحو معركة الحسم، انشغل البعض بالصراعات الجانبية وتبادل الاتهامات.
إن هناك ملايين اليمنيين الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم من أجل وطنهم، وقادة عسكريين ابطال لكنهم لم يتمكنوا من مراكز القرار وهؤلاء يستحقون موقفًا تاريخيًا يعيد للدولة حضورها، وينهي حالة العبث، ويوحد الصف الوطني. فالمعركة الحقيقية يجب أن تكون معركة وطنية خالصة، عنوانها التضحية والمسؤولية، وشعارها وحدة الكلمة والموقف، وهدفها استعادة الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار لكل اليمنيين.



