إلى الحكومة اليمنية.. هل آن الأوان لرسم سياسة الدولة الجدية تجاه سياسة الاحتواء العُمانية للمليشيات الحوثية؟
بقلم الدكتورة لمياء الكندي باحثة اكاديمية - مدير وحدة دراسات المرأة والطفل

وأنا أتابع اليوم ما بثته وسائل الإعلام المختلفة حول توجه حكومي نحو استعادة الدولة لموقفها، وإعادة بناء سياستها الخارجية، وتقييم المراحل السابقة بما يتناسب مع اللحظة الراهنة ومستجداتها، صادفني خبر نقلته قناة «الحدث» حول مطالبة الحكومة اليمنية بتجفيف مصادر تمويل وتسليح مليشيات الحوثي ومحاسبتها.
وهذا العنوان قادني مباشرة نحو سلطنة عُمان وسياستها تجاه المليشيات الحوثية؛ فهل استوعب صناع القرار في الدولة الدور المشبوه والخطير والناعم الذي تمارسه السياسة العُمانية تجاه اليمن، ودعمها التكتيكي الباطني للمليشيات الحوثية؟ ولماذا تأخر دور الحكومة حتى هذه اللحظة في توجيه خطاب الدولة لمطالبة عُمان بأن تمارس دورًا تكميليًا في سياستها، يقوم على دعم الدولة اليمنية، بهدف القضاء على شبكات التهريب التي تعمل داخل أراضيها لتهريب السلاح والمعدات الصناعية العسكرية إلى المليشيات الحوثية؟
لماذا لا تتعامل الحكومة حتى اليوم مع هذا الملف بواقعية مرتبطة بمواقف وتقارير وضبطيات تثبت استخدام الأراضي العُمانية كمصدر تهريب رئيسي لإمداد الحوثيين بالعتاد والأجهزة العسكرية المختلفة، وتجاوز الحساسيات التي يفرضها هذا الملف، والانتقال إلى خطاب صريح ومباشر؟
لقد تابعنا بالأمس تداعيات توجيه ضربات من شرق العراق إلى المملكة العربية السعودية، وتابعنا الرد السعودي على هذا الهجوم، الذي حشدت المملكة مواجهته حزمة تعامل مباشرة عسكرية وسياسية وأمنية، أوصلتها اليوم إلى إنشاء تحالف بحري دفاعي يؤمن الطرق والممرات البحرية من الهجمات المليشياوية.
وتعني المملكة بذلك المليشيات التابعة لإيران، سواء عبر الحوثيين أو عبر الجماعات الإرهابية التي تتشارك معها في المنطقة، من اليمن و العراق إلى لبنان والصومال وغيرها.
وإذا كان هذا التحرك والاستنفار السعودي قد تحول نتيجة للسياسة السعودية إلى استنفار دولي تربطه شراكات فعلية لحماية الممرات الأمنية من أي اعتداء إرهابي، فلماذا لا نستثمر في معطيات اللحظة الأمنية الراهنة، ونفتح ملف التهديد الأمني لليمن والمنطقة القادم من سلطنة عُمان، ودور شبكات التهريب من داخل معبر المزيونة في الجانب العُماني، ومعبر شحن في الجانب اليمني؟
لقد ظل موقف الحكومة اليمنية صامتًا إزاء ما يظهر أنه سياسة عُمانية نحو تقويض جهود استعادة الدولة، ولم يكن الحديث عن شبكات تهريب السلاح والمعدات العسكرية إلى المليشيات الحوثية مجرد ادعاء، بل أصبح ملفًا مرتبطًا بوقائع وتقارير وضبطيات تم تجاهلها لسنوات وفق حسابات سياسية خاصة لم يعد ما يبرر استمرارها اليوم.
وفي مقابل سكوت الدولة عن ما تعتبره تغاضي سلطنة عُمان عن منع تدفق السلاح إلى الحوثيين عبر أراضيها، يطالعنا تقرير فريق الخبراء الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 2017، برقم (S/2017/81)، والذي أشار إلى ما يتعلق بالدور العُماني في اختراق قرار حظر تهريب الأسلحة للمليشيات الحوثية.
وقد نص التقرير على أن:
“الفريق تلقى من مصادر رسمية سرية داخل التحالف مؤشرات على وجود دعم عُماني لتحالف الحوثي-صالح، وفق صياغة المصدر، ومرور أسلحة نوعية مثل الصواريخ المضادة للدروع ومعدات عسكرية عبر عُمان، ووصولها إلى شبكات تهريب مرتبطة بعلي عبدالله صالح في المهرة”.
وأنا هنا لا أثير غبار حقبة مضت من علاقة الرئيس صالح بالحوثيين، بقدر ما أسعى إلى إثبات حقيقة هذا التعاون، من منطلق مواصلة دعم شبكات التهريب لوجستيًا وأمنيًا، والتي ما زالت تمثل مصدر قلق لليمن حتى الآن.
ونتيجة لحساسية ملف ضلوع عمان في دعم تهريب السلاح للمليشيات الحوثيه عدل فريق الخبراء في تقريره لعام ٢٠١٨ من اشارته المباشرة إلى الدور العماني لكنه أكد على وجود شبكات تهريب داخل عمان تقوم بتهريب السلاح للحوثيين وأكد تقرير الخبراء الذي نشر بتاريخ 2018، تحت رقم (S/2018/594)، إلى وجود شبكات تهريب وطرق إمداد تسهّل وصول السلاح إلى المليشيات الحوثية، ووصف ذلك بأنه انتهاك خطير لحظر السلاح.
وهذا يؤكد أن التقارير الأممية تعاملت مع ملف التهريب باعتباره شبكة ومسارات إمداد، وليس مجرد حوادث فردية، كما أثبتت استخدام مسارات حدودية مرتبطة بعُمان والمهرة في عمليات تهريب الأسلحة إلى الحوثيين.
وبالنظر إلى حساسية ربط ملف تهريب السلاح إلى الحوثيين بالحكومة العُمانية، فقد تراجعت لاحقًا التقارير الصادرة عن فريق الخبراء في عام 2019 عن ذكر نشاط تهريب السلاح عبر عُمان بصورة مباشرة، وربطته بشبكات تهريب دولية واسعة.
كما تضمنت بعض التفسيرات التي تخفف من تبعات المسؤولية على سلطنة عُمان، الإشارة إلى احتمال مرور شحنات تهريب كبيرة دون اكتشاف، وهو ما يعني وجود تحديات في الرقابة الحدودية، كما أشار التقرير إلى أن بعض الضبطيات جاءت من شاحنات أخفيت فيها الأسلحة تحت بضائع أو داخل حجرات سرية.



