
قراءة في كتاب: ”الزيدية صناعة فارسية في سياق الصراع العربي–الفارسي”
تأليف: اللواء/ الدكتور حمود مسعد الخرام
في ما يقارب (276) صفحة، حاول الكاتب والمؤلف لكتاب الزيدية صناعة فارسية أن يختزل مراحل الصراع العربي–الفارسي، متناولًا حيثيات هذا الصراع وأدواته، والوسائل الفارسية في زراعة الكيانات السياسية والفكرية التي تتخادم مع مشروعها التوسعي، ومشروع إضعاف الدولة الإسلامية.
وقد تناول الباحث في هذا السياق الزيدية، لا بوصفها مذهبًا دينيًا كما يُروَّج لها، بل باعتبارها مذهبًا سياسيًا ونظرية سياسية عنصرية، تغذّت بدوافع عدائية تجاه المجتمع المسلم والدولة الإسلامية، باعتبارها ـ بحسب طرحه ـ صناعة فارسية في سياق الصراع العربي–الفارسي.
وهدف الكاتب في مؤلفه هذا إلى إبراز التاريخ العربي والحضارة العربية قبل البعثة، مستعرضًا نماذج من التاريخ الإمبراطوري للحضارة اليمنية. ويرى أن سقوط الإمبراطورية العربية الحميرية، وانحسار تأثيرها، استغله الفرس لصالح بناء إمبراطوريتهم التي قامت في الأساس على نزعة عنصرية. وقد تغلّب عليها العرب عقب بزوغ نور الإسلام، الذي هدم بقدومه العصبيات المختلفة، ومنها العصبية الفارسية، إلا أن النزعة العنصرية الفارسية ـ بحسب الكاتب ـ لم تختفِ تأثيراتها، فكان الفرس أول من استثمر الدين لأغراض سياسية عنصرية، واخترعوا أفكارًا باطنية متدرجة، بدأت بادعاء محبة آل بيت رسول الله ﷺ، وانتهت بالقول بعصمتهم. ومن رحم هذه الشعوبية خرجت الفرق الشيعية المختلفة، وتُعدّ الزيدية ـ وفق هذا الطرح ـ إحدى أهم وأخطر ما أنتجته العنصرية الفارسية.
ويرى الكاتب أن العديد من الأسباب مكّنت الفرس من توجيه وزراعة الزيدية في اليمن، والتعبير عن نفسها ككيان سياسي ثوري متمرد ومنفصل عن دولة الخلافة الإسلامية. وأسهم في ذلك بُعد اليمن عن مركز الخلافة، مما سمح للعناصر الفارسية بالانتقال إليه وتأسيس أول دولة زيدية فيه، بل وفي المنطقة العربية ككل. كما أسهم انشغال اليمنيين بالمشاركة الواسعة في الفتوحات الإسلامية شرقًا وغربًا في ترك فراغ نسبي في القيادة والزعامة اليمنية، كان من الممكن أن يمنع وصول التأثير العلوي الزيدي الفارسي.
ويرى الكاتب أن ما فعله الفرس من خلال الزيدية لم يكن مجرد دعم لمذهب فقهي أو تيار ديني، بل كان استعمارًا فكريًا كاملًا يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي العربي والإسلامي؛ فكلما خمدت النزعة القومية الفارسية أعادت الزيدية إشعالها بثوب ديني، وكلما واجهت الأمة خطرًا خارجيًا بعثت الزيدية صراعًا داخليًا ينخر جسدها ويستهلك قواها. ويؤكد الكاتب أن العلاقة بين الفرس والزيدية هي علاقة نشأة واستثمار واستمرار، في توظيف الهاشمية السياسية لبث النزاعات الطائفية، واستمرارها في الزيدية الحوثية المعاصرة، بما يعكس إعادة إنتاج هذه الحركة في حالة من التوأمة والتكامل بين الفارسية والزيدية كمشاريع استعلائية عنصرية.
ويذهب الكاتب إلى الحضارة الحميرية باعتبارها وجهًا من أوجه التاريخ الإمبراطوري العربي، وما ارتبط بها من تأثير سياسي وامتداد عسكري وصل إلى أغلب قارات العالم القديم آنذاك، موضحًا خارطة النفوذ الإمبراطوري لها، وذاكرًا ملوك حمير والتبابعة، وصولًا إلى معركة ذي قار وبوادر الصراع العربي–الفارسي قبل الإسلام، وفي عهد صدر الإسلام، ودور الفرس في اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، والمحاولات الفارسية للانقضاض على الخلافة الإسلامية في عهدها المبكر، بدءًا من دعوة المختار الثقفي، والدعوة السرية في خراسان، بوصفها الموطن الأول لحركات الانفصال والتمرد على الدولة الإسلامية القائمة.
وتضمّن الكتاب مجموعة من العناوين والموضوعات المهمة التي لا غنى عن معرفتها لكل مهتم بالتاريخ العربي والإسلامي، مثل: صناعة التشيع، وحقيقة عبد الله بن سبأ، والأصول العقائدية للوثنية الفارسية في التشيع، وكل ما له علاقة بهذا الشأن. كما تناول الثورات العلوية الزيدية، حيث ذكر المؤلف ما يقارب خمسًا وأربعين ثورة وحركة تمرد علوية زيدية ذات ارتباطات فارسية، قام بها مدّعو الإمامة الزيدية ومنتسبوها من البيت العلوي، موضحًا العلاقة العسكرية والفكرية بين الزيدية والعنصرية الفارسية من حيث النشأة والخلفية التاريخية، وصولًا إلى الزيدية المعاصرة وصلتها بالنزعة الفارسية.
وشمل الكتاب توضيحات حول مجلس حكماء أهل البيت، وإحياء التراث الزيدي، والارتباط الفارسي، وتنظيم الشباب المؤمن، والتطورات التي طرأت على الزيدية عقب أزمة الخليج، في تتبع تاريخي واستقرائي مهم، مع استخلاص شواهد على دعم هاشميّي الأحزاب اليمنية الزيدية من قبل إيران، وتماهيها مع المشروع الحوثي. كما أورد نماذج من السلوكيات والعادات المشتركة بين زيدية اليمن والفرس في عدد من المسائل.
واختتم الكتاب بقائمة لأهم الكتب والمراجع التي اعتمد عليها الكاتب، والتي تعود إلى كتب أصولية ومصادر تاريخية أرّخت لعهد الكهنة الزيديين في اليمن.


