قراءة في كتاب «من الزيدية إلى الحوثية ” تأليف الدكتور عبدالمجيد الغيلي – الجزء الأول
د. لمياء الكندي -مدير وحدة دراسات المرأة والطفل لدى مركز البحر الأحمر للدراسات

صدر عن موقع «حكمة يمانية» الطبعة الأولى من كتاب «من الزيدية إلى الحوثية»، تأليف الدكتور عبدالمجيد الغيلي، في نحو خمسمائة وثلاثين صفحة، موزعة على بابين. يناقش الباب الأول الزيدية بوصفها عنوانًا رئيسيًا تتفرع منه ثلاثة فصول، يمكن اعتبارها محاولة لتقديم تعريف مكثف ومختزل بالبنية الفكرية والعقدية للزيدية، من منظور نقدي يرصد أهم الآراء والفتاوى والمواقف التي دوّنها كهنة الزيدية في مؤلفاتهم وكتبهم، وتعاملوا معها، رغم مخالفة بعضها، باعتبارها آراءً وعقائد ذات حجية ملزمة، ليس لأتباعهم فقط، وإنما لأمة الإسلام قاطبة، انطلاقًا من اعتقادهم بأن الزيدية هي الفرقة الصحيحة الوحيدة.
في مقدمة الكتاب، يذهب الدكتور الغيلي إلى تفنيد مقولة «الزيدية أقرب إلى أهل السنة» وأكثر اعتدالًا، ويتتبع أثر هذه العبارة في ترسيخ الوعي الباطن للعقل الجمعي في اليمن، حيث جرى ترسيخ هذا التوصيف في الخطاب الإعلامي والسياسي، وظل متداولًا عبر أجيال طويلة. ويرى الدكتور الغيلي أن وصف الزيدية بأنها أقرب المذاهب الشيعية إلى أهل السنة لم يكن توصيفًا معرفيًا دقيقًا بقدر ما كان توصيفًا اجتماعيًا وسياسيًا خلط بين الانتماء الشعبي والتاريخي وبين البنية العقدية والفكرية للمذهب كما أقرها أئمته ونصوصه المكتوبة.
وفي ضوء تعريفه للزيدية، يفرق الغيلي بين الزيدية العقدية بوصفها مذهبًا له أصول ومعتقدات محددة ومصرحًا بها، وبين الانتماء الاجتماعي والتاريخي الذي ارتبط بالزيدية في اليمن. ويؤكد أن غالبية الناس في اليمن ليست على معرفة بهذه النصوص والعقائد، ولا تعرف تفاصيلها ولا تقر بالضرورة بما تتضمنه من آراء.
ومن هنا يميز الغيلي بين ما يسميه الزيدية العقدية وبين ما يمكن تسميته بالزيدية الشعبية أو الجغرافية، مؤكدًا أن الحديث عن الزيدية لا يقصد به الانتماء الاجتماعي أو التاريخي الذي التصق بسكان مناطق حكمتها الإمامة في فترات متقطعة عبر قرون عدة، ولا ذلك الوصف الذي جرى تداوله لأهل المناطق الشمالية الذين عُرفوا بالزيود؛ فهذا المعنى، في نظره، يعبر عن زيدية شعبية لا تمثل بالضرورة انتماءً عقديًا أو التزامًا مذهبيًا، وإنما نشأت في جانب منها بفعل السلطة وتعاقب سيطرة الكهنوت الزيدي على حكم تلك المناطق.
ويؤكد الكاتب أن الزيدية لم تكن فكرة عقدية مجردة أو معزولة عن واقع الحكم والممارسة التي انتهجها من حكموا باسم المذهب الزيدي، فيتتبع كيفية انعكاس الآراء العقدية الزيدية على الدولة والسلطة، وكيف أسهمت، بحسب قراءته، في تشكيل أنماط متكررة من الحكم والإقصاء والجباية والتفاضل والتمييز السلالي والصراع مع المحيط، بوصفها آليات مباشرة انعكست فيها بعض التصورات العقدية على ممارسة السلطة وإدارة الدولة.
وفي الفصل الأول، المعنون بـ «النشأة وأبرز الشخصيات»، يتطرق الكاتب إلى البدايات الأولى للتشيع، وما عرفه من أحداث وشخصيات في التاريخ الإسلامي المبكر، متناولًا ما يورده بعض المؤرخين حول السبئية وعبدالله بن سبأ، وما ارتبط بذلك من استثمار للخلافات والفتن التي عاصرت خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ويذهب الكاتب إلى أن التشيع لم يظهر في بدايته بالصورة السلالية التي حصرت الحكم في علي وذريته، وإنما تطورت هذه التصورات لاحقًا نتيجة التفاعلات والأحداث التي رافقت التاريخ الإسلامي.
وتناول الكاتب كذلك الفرق الشيعية الثلاث: الإمامية «الجعفرية»، والإسماعيلية، والزيدية، وما انقسمت إليه الزيدية من فرق، منها الجارودية التي يرى الكاتب أنها تمثل الأساس الذي قام عليه المذهب الزيدي في اليمن، وهي فرقة تنسب إلى أبي الجارود زياد بن المنذر، إضافة إلى البترية أصحاب الحسن بن حي، والسليمانية أصحاب سليمان بن جرير. ويعرض الكاتب أوجه الاتفاق والاختلاف بين هذه الفرق، ولا سيما في مسألة الإمامة وموقفها من علي والحسن والحسين رضي الله عنهم، وما تفرع عن ذلك من جدل عقائدي حول الإمامة وموقفها من خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وما رافق ذلك من أحكام وتوصيفات للمخالفين.
واستعرض الكاتب، بصورة سريعة، أبرز الشخصيات الزيدية، مبتدئًا بالحسن بن زيد، المعروف بالداعي الكبير، الذي أسس أول دولة زيدية في الديلم سنة 250هـ، ثم الحسين بن يحيى الرسي، الذي ارتبط بتأسيس الدولة الزيدية الثانية في اليمن سنة 284هـ.
ويأتي الفصل الثاني بعنوان «أهم المعتقدات والأفكار»، ليقدم للقارئ صورة مختصرة عن الفكر العقدي الذي يشكل قوام المذهب الزيدي، والقائم، في جانب أساسي منه، على نظرية الحكم والإمامة.
فالزيدية، حسب الكاتب، لا تنظر إلى الإمامة بوصفها مسألة سياسية أو تنظيمية لاحقة لزمن النبوة، بل تجعلها أصلًا من أصول الدين وركنًا عقديًا. ومن هنا فإن نصوص الزيدية في الإمامة لا تُقرأ، وفق طرح الكتاب، باعتبارها مسائل فقهية جزئية، وإنما بوصفها منظومة عقدية متكاملة تتأسس عليها جملة من المواقف الدينية والسياسية والاجتماعية.
وأهم ما تحمله النظرية الزيدية في الحكم، بحسب الكاتب، أن الإمامة لا تجوز إلا في ذرية الحسن والحسين، وهو ما عُرف بالبطنين. ويورد الكاتب نصوصًا منسوبة إلى بعض أئمة الزيدية حول ضرورة معرفة الأئمة من ذرية الحسنين، كما ينقل عن عبدالله بن حمزة موقفه ممن ينكر إمامة أهل البيت، مستشهدًا بنصوص شديدة اللهجة في وصف المخالفين.
ويناقش الكاتب عددًا من الآراء المتعلقة بالإمامة، وينتقدها باعتبار أن طريق الإمامة والدعوة في المذهب الزيدي يمثل، في قراءته، سبيلًا متجددًا للفتنة والصراع، ولا سيما مع مبدأ الخروج الذي يرتبط بإشهار السيف والدعوة إلى الإمام. ومن هنا يرى أن نظرية الإمامة لا تبقى محصورة في المجال العقدي، وإنما تتحول إلى مشروع دائم لإعادة إنتاج الصراع على السلطة، متى ما توافرت شروط الدعوة والقدرة عليها.
وينتقل الكاتب إلى شرح عدد من المصطلحات الزيدية، أو تلك التي ارتبطت بالمشروع التشيعي بصورة عامة، مثل آل البيت، والوصاية، والاصطفاء، والتفضيل، ويرى أن هذه المفاهيم، حين تُبنى عليها نظرية سياسية ودينية، تؤدي إلى تشكيل مرجعية ذات طبيعة خاصة، وإلى تكوين هوية طائفية تجعل العلم والشرف والمرجعية مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بالانتساب إلى آل البيت، بما يضعف، في نظره، مساحة الفضل والمكانة الدينية لمن هم خارج هذه السلالة.
كما يناقش الكتاب المعتقدات الزيدية المتعلقة بالصحابة، سواء من حيث تعريف الصحابي أو من حيث معيار الحكم على موقفه. ويرى الكاتب أن الموقف من علي وإمامته أصبح معيارًا للحكم على صحة إسلام الصحابي وعدالته؛ فموافقة علي تمثل معيارًا، بينما يصبح التقدم عليه أو منازعته أو الرضا بتقدم غيره سببًا لإدخاله في أوصاف عقدية مختلفة.
وبحسب قراءة الغيلي، أدى هذا إلى تحويل ثنائية المؤمن والمنافق إلى أداة عقدية لتصنيف مواقف الصحابة من علي، وإلى إسقاط عدالة عدد منهم والطعن في الرواية الصادرة عنهم. كما يعرض الكتاب موقف الزيدية من خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وما ورد في بعض مصادرهم من أحكام على شرعية خلافتهم ومواقفهم من البيعة.
وتتوسع الزيدية، كما يعرضها الكاتب، في توصيف المخالفين من خلال مصطلحات مثل الناكثين والقاسطين والمارقين، وهي أوصاف ارتبطت في الأصل بالخلاف السياسي والعسكري الذي نشأ عقب مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وما تلاه من أحداث الفتنة. ويرى الكاتب أن بعض النصوص الزيدية لم تتعامل مع ذلك النزاع باعتباره خلافًا بين فئتين من المسلمين، وإنما تجاوزته إلى بناء أحكام دينية وعقدية على المواقف السياسية، وصولًا إلى إجازة السب واللعن في بعض النصوص التي يستشهد بها الكتاب.
وفي الفصل المتعلق بموقف الزيدية من أهل السنة والجماعة، يرى الكاتب أن الخطاب الزيدي، في عدد من نصوصه، يتعامل مع أهل السنة بوصفهم منظومة عقدية مخالفة تستوجب البراءة، بل يصل في بعض النصوص إلى أحكام التكفير. ويستعرض الكاتب مجموعة من الأوصاف التي أطلقتها بعض المصادر الزيدية على مخالفيها، مثل المجبرة والمشبهة والقدرية، وما ترتب على هذه التصنيفات من أحكام عقدية.
كما يناقش المبحث الثالث من هذا الفصل موقف الزيدية من علماء أهل السنة والجماعة، ويرى أن موقف كهنة الزيدية من هؤلاء العلماء لا يكتفي بنقد آرائهم، وإنما يتجه في بعض النصوص إلى إسقاط أهليتهم العلمية، بحيث يتحول العالم السني، في التصور الذي ينتقده الكتاب، من مخالف في الاجتهاد إلى مصدر للضلال والفساد الديني، لا يؤخذ عنه العلم ولا تقبل روايته ولا يعتد بإجماعه.
ويلخص الغيلي هذا المحور في عبارة مكثفة تتمثل في «نزع العدالة عنهم باتهامهم بالكذب، ونزع العلم عنهم بوصفهم بالجهل، وإسقاط المرجعية عنهم برفض أقوالهم ولو وافقت الحق، واحتكار المعرفة بحصر العلم والرواية والفهم بأهل البيت».
ويناقش الكتاب كذلك عددًا من المسائل العقدية والفقهية والتشريعية، وما يتصل منها بالقرآن والسنة وطرق النقل والإسناد والتأويل وغيرها من القضايا، محاولًا تقديم خلاصة عن المنطلق العقدي والفكري للزيدية.
واللافت في قراءة الغيلي أن القضية لا تقف عند حدود السؤال: ماذا تقول الزيدية؟ وإنما تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا يمكن أن تنتج هذه الأفكار عندما تتحول من تصورات عقدية إلى مشروع سياسي يمارس السلطة؟
وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم نقاط الكتاب؛ إذ إن دراسة المذهب لا تصبح ذات قيمة سياسية وتاريخية معاصرة بمجرد تعداد معتقداته، وإنما حين نبحث في الكيفية التي تنتقل بها الفكرة من النص إلى الممارسة، ومن الاعتقاد إلى السلطة، ومن تصور الإمامة إلى تصور الدولة والمجتمع والمخالف.
ومن هذه الزاوية تبدو دراسة الزيدية في الكتاب تمهيدًا ضروريًا لفهم الانتقال الذي يحمله عنوانه من «الزيدية إلى الحوثية»؛ فالكتاب لا يكتفي، بتتبع حركة مليشاوية معاصرة ، وإنما يحاول البحث عن الجذور الفكرية التي يرى أنها تساعد في تفسير بعض ملامح الخطاب الحوثي ومفهومه للسلطة والحق الديني والهوية والمخالف.
وعليه، فإن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في تقديم تعريف بالزيدية أو استعراض تاريخ أئمتها، وإنما في محاولة تفكيك العلاقة بين العقيدة والسلطة، وبين النص الديني والنموذج السياسي الذي يمكن أن ينتج عنه. وهي زاوية تجعل قراءة الكتاب ضرورية لفهم السؤال الأكبر الذي يبدو أن المؤلف يريد الوصول إليه: هل كانت الحوثية قطيعة مع الزيدية، أم إعادة إنتاج حديثة لبعض أفكارها السياسية والعقدية في قالب جديد؟
ودمتم بخير
رابط الكتاب:https://drive.google.com/file/d/1bU_AWvDpFopp7KcXyX4YddyNO0n6R5AR/view?usp=drivesdk



