
ترتبط خرافة “عيد الغدير” بثلاث بدع عقدية خطيرة ومتعدية الضرر، تهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي والتعايش والشورى، وتعمل على إعادة إنتاج ثقافة الصراع الدموي والعقدي والسياسي والاجتماعي.
أولى هذه البدع: بدعة “التكفير بالإلزام”، والتي تشمل الصحابة وعامة المسلمين؛ فكل من يعتقد بوجود نصٍّ يعيّن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للولاية السياسية بالاسم أو الوصف الصريح، يؤمن -بالضرورة المنطقية لهذا الاعتقاد- بردّة الصحابة وكفر عامة المسلمين، سواء أظهر ذلك أو مارس “التقية” المفضوحة بالترضي على الصحابة المنتجبين والبراءة ممن يسمونهم “المنافقين”.
وثاني هذه البدع: بدعة الكذب على الله ورسوله وعلي بن أبي طالب والصالحين من ذريته؛ فالقول بأن الله ورسوله قاما بتعيين علي بالخلافة والإمامة من الكذب المعروف بطلانه بالضرورة. كما أن واجب الولاية الإيمانية الحقيقية لعلي بن أبي طالب وذريته تقتضي تبرئتهم من هذا الكذب، وإثبات حقيقة إيمان علي بن أبي طالب بالشورى: “إنما الشورى في المهاجرين والأنصار، فمن ارتضوه كان لله رضى”، ورفضه تولية الحسن: “لا آمركم ولا أنهاكم”، وإثبات بيعة الحسن لمعاوية، وتأكيد الحسن بن الحسن أن حديث: “من كنت مولاه” لا علاقة له بالولاية السياسية، وإنما هو في الولاية الإيمانية؛ الأمر الذي يفرض علينا تبرئة علي -رضي الله عنه- من اتهام الجارودية والإمامية له بالكذب على الله.
وترتبط بهذه الخرافة كذلك بدعة ثالثة لا تقل خطورة، وهي مصادرة حق الأمة في حكم نفسها، وإلغاء مبدأ الشورى الذي قامت عليه الخلافة الراشدة، واستبداله بادعاء وجود نص إلهي يحسم الشأن السياسي ويجعل السلطة حقاً وراثياً أو سلالياً لا يملك المسلمون مناقشته أو الاختيار فيه. وتكمن خطورة هذه البدعة في أنها تنزع الشرعية عن إرادة الأمة، وتحوّل الخلاف السياسي إلى خلاف عقدي، وتجعل منازعة الحاكم أو رفض دعواه منازعةً للدين نفسه، الأمر الذي أسهم تاريخياً في إنتاج دورات متكررة من الصراع والتمرد وسفك الدماء والانقسام الاجتماعي، كما فتح الباب أمام الاستبداد السياسي والتمييز السلالي وإضعاف مفهوم المواطنة المتساوية. ومن هنا كان دفاع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن مبدأ الشورى: “إنما الشورى في المهاجرين والأنصار، فمن ارتضوه كان لله رضى”، شاهداً على بطلان دعوى النص السياسي الجلي التي قامت عليها عقائد الإمامة الكهنوتية.
وإذا كان أول من احتفل ببدعة عيد الغدير سنة 352 هجرية هو “أبو الحسين بن بويه بن خسرو بن هرمز”، حفيد كسرى، بعد سيطرة الفرس على الخلافة العباسية باسم العلوية الزيدية، وتخلصهم من أئمة العلوية بإرسالهم إلى أطراف فارس، وتبنيهم المذهب الإمامي؛ فقد اشتهر ابن بويه بجميع البدع السابقة، ابتداءً بتكفيره للخلفاء الراشدين.
وفي اليمن انتشرت هذه البدعة في القرن الحادي عشر الهجري، في عهد الإمام المتوكل إسماعيل، صاحب كتاب “إتحاف السامع في جواز أخذ أموال الشوافع” الذي كان يؤمن بكفر أبناء المناطق الوسطى في اليمن من معتنقي المذهب الشافعي، باستثناء الشافعية المتشيعين، وكان يستبيح دماءهم وأموالهم. ورُوّج لهذه البدعة و الذي بدا بنشرها في عهد المتوكل هو ابن عمه أحمد بن الحسن سنة 1073 هجرية وعندما وصلت إلى أحمد بن الحسن عمهها واشتهر بمجزنه وظلمه لابناء المناطق الوسطى فكيف واجهت مدرسة الاجتهاد اليمنية هذا الظلم و هذه البدعة عند ظهورها؟
نقد دلالة “مولى” قبل ظهور بدعة العيد
المعروف تاريخياً أن هذه البدعة لم تظهر في عهد مجدد مدرسة الاجتهاد اليمنية في القرن التاسع الهجري، العلامة محمد بن إبراهيم الوزير، وهو هاشمي حسني ومن أحفاد الرسي. ومع ذلك، فقد كان له موقف واضح في تفنيد خرافة النص على الإمامة في غدير خم. ففي كتابه “العواصم والقواصم” أفاد كلامه أن التأويل الشيعي لحديث الغدير لم يغدر فقط بالشورى وحق الأمة في الاختيار، بل غدر أيضاً بمنهجية الاستدلال بالنصوص من خلال التعسف في توظيف لفظ “المولى” خارج سياقه الطبيعي. قال رحمه الله: “إن كلام الشيعة في لفظة «المولى» في حديث غدير خم شبيه بفعل من يجرد ألفاظ الحديث عن القرائن التي تحتفي به” (العواصم، ج8، ص348، جامع الكتب الإسلامية). وهو هنا ينتقد عادة الإمامية في تعضية النصوص عن سياقاتها وتحريف الكلم عن مواضعه.
وفي كتابه “الروض الباسم” دافع ابن الوزير عن موقف أهل الحديث من الخلافة والصحابة، وفي ذلك إسقاط لخرافة الإمامة السلالية. وقد عبّر عن رفضه الحاسم للحصر السلالي للعدالة في أئمة الزيدية بقوله: “قصر العدالة على أئمة الزيدية الذين ادعوا الخلافة، غلوّ لم يسبق إليه، بل هذيان لا يعول عليه”. كما فنّد ابن الوزير خرافة احتكار علماء آل البيت للعلم والهدى -رغم كونه أحد أبناء السلالة- فقال: “إن العلماء من أبناء فاطمة وذريتها هم من جملة الناس الذين يجوز عند جميع المسلمين أن تعارض رواياتهم برواية من هو مثلهم أو فوقهم في الحفظ والصدق، فإن كل ثقة يجوز وجود من هو مثله أو فوقه في باب الرواية، ولم نعلم أحداً من مصنفي الزيدية والمعتزلة جعل الخلافة، ولا نسب فاطمة -رضي الله عنها- من أسباب الترجيح في الرواية” (الروض الباسم، المكتبة الشاملة، ص174).
مواجهة مدرسة الاجتهاد لبدعة عيد الغدير في اليمن
أشرنا سابقاً إلى أن بدعة عيد الغدير ظهرت لأول مرة في اليمن في عهد المتوكل إسماعيل في القرن الحادي عشر الهجري، وقد انبرى لتفنيدها ابن أخيه العلامة المجتهد والمؤرخ يحيى بن الحسين بن القاسم، فأكد انحراف عمه بإقراره هذه البدعة السيئة التي نشرها بعض المقربين منه. ويحيى بن الحسين هو حفيد الإمام المنصور، وابن عم المتوكل، وهو هاشمي حسني ينتهي نسبه إلى الرسي، ولكنه تفرغ للعلم فتوسعت معارفه. وقد وصفه الشوكاني بأنه من أكبر علماء بيت القاسم، وأشار إلى أنه تعرض للتهميش والإهمال بسبب دفاعه عن السنة وميله إلى العمل بالأحاديث الصحيحة. كما أشار الشوكاني إلى كتابه الذي خصصه لمحاربة ثقافة تكفير الصحابة: “الإيضاح لما خفي من الاتفاق على تعظيم صحابة المصطفى”، ووصفه بأنه إمام محقق، متمكن ومطلع على أنواع العلوم. وتشير تراجمه إلى أنه حصل على إجازات فقهية متنوعة في الفقه الحنفي والشافعي والمالكي، مما يؤهله لأن يكون من رموز مدرسة الاجتهاد. وقد صنف أكثر من أربعين كتاباً، أشهرها “بهجة الزمن في تاريخ اليمن”، الذي خصصه لتوثيق تاريخ اليمن في عصره، وذكر محقق الكتاب أكثر من 120 كتاباً ورسالة علمية ليحيى بن الحسين. وله كتاب يكشف تأثره بمدرسة ابن الوزير بعنوان: “الزهر الناعم في اتباع سنة أبي القاسم”.
يحيى بن الحسين بن القاسم وتعريته لبدعة الغدير
يوثق الإمام التقي الزاهد يحيى بن الحسين في كتاب “بهجة الزمن” أول احتفال ببدعة الغدير بتاريخ الثامن عشر من ذي الحجة سنة 1073هـ على يد أحمد بن الحسن، في فترة حكم المتوكل، فيقول: “في هذه السنة ابتدأ أحمد بن الحسن بشعار يوم الغدير بنشر الأعلام والألوية والحزية”. ويشير إلى أن هذه السنة ظهرت فيها الديدان التي أتلفت محصول الأرض، وانتشرت الأمراض في البهائم، ووصل الجراد من تهامة. ويتضح من الأحداث التي ذكرها يحيى بن الحسين أن المتوكل وأحمد بن الحسن، من خلال إظهار شعارات الرافضة الاثني عشرية في عيد الغدير، كانا يحاولان استمالة الشيعة الإمامية في فارس وإقناع الشاه بغزو الخليج وعُمان بحجة مطاردة الخوارج.
وجاء في “بهجة الزمن” أن أحمد بن الحسن أمر بإزالة نقش تطريزي في جامع صنعاء عليه شهادة التوحيد واسم الرسول والخلفاء الأربعة بتحريض من الجارودية والرافضة، ووصف المؤرخ هذا الفعل بأنه “عمل جسيم وهول عظيم وعدوان على شهادة الوحدانية وذكر خير البرية”. ويقول إن هذه السنة شهدت القحط والجراد وارتفاع الأسعار وانهيار العملة، أو كما يقول: “وضَعُفت البقش وكثر فيها النحاس والغش، وكثرت المماكسة في البيع والشراء، وتغيرت الحالة”. وأشار إلى أن الظلم وتدهور الأوضاع الاقتصادية جعلا الناس يجاهرون بتفضيل الحكم العثماني على الحكم الإمامي.
وفي تلك الفترة انتشرت الفوضى والنهب لممتلكات الناس، وتم نهب مدينة كوكبان، كما تعرض أهل الذمة من اليهود للنهب. ويشير المؤلف إلى أن الرفض والطعن في الصحابة انتشرا في صنعاء، وانتشرت العقيدة التكفيرية الجارودية، وظهر شعراء يطعنون في الصحابة. وكان ممن تصدى لهؤلاء السفهاء العلامة صالح المقبلي في قصيدته: “قبح الإله مفرّقاً بين القرابة والصحابة”. ومن قبيح تكفيرهم للصحابة قول شاعر الجارودية حسن الهبل: “العن أبا بكر الطاغي وثانيه… والثالث الرجس عثمان بن عفّانا”. ويقول المؤلف إن هذا الرافضي من أجهل الناس؛ لأنه يلعن من أجمع المفسرون على أنهم المقصودون بقوله تعالى: “فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه”. كما قال إن هذا المعتوه تأثر -وهو في مرحلة المراهقة- بالأقوال المتشابهة عند الرافضة، فصادفت قلباً خالياً من الفهم والعلم. ويضيف: “والرافضة في هذا الزمان في الزيدية كثير، إلا أن منهم من يستر بمذهبه ولا يظهره”. ويذكر أن العلامة صالح المقبلي، مع ازدياد ظاهرة الجارودية الإمامية في الزيدية، اضطر إلى مغادرة صنعاء إلى مكة ودخل مذهب الشافعي (وقول البعض إنه دخل المذهب الشافعي غير دقيق). كما يذكر يحيى بن الحسين أن كثيراً من روافض الهادوية كانت لهم سوء خاتمة، وأن بعضهم أظهر كفره قبل الموت، وأن حسن الهبل كان قبل موته يلعن الصحابة ويلعن علي بن أبي طالب لأنه ترك حقه -بحسب زعمه- في عيد الغدير، بينما كان آخرون يسبون علياً لأنه لم يسب الصحابة. ورد يحيى بن الحسين على الجارودية من روافض الهادوية، ووصفهم بالجهلة، وقال إن الثابت أن عقيدة الإمام زيد بن علي في الصحابة هي نفس عقيدة أهل السنة.
شهادة يحيى بن الحسين بن القاسم في مبتدع بدعة الغدير
بعد أن فرغ يحيى بن الحسين من نقل قصيدة الأديب الفقيه اليمني الثائر علي بن أبي الرجال في وصف جرائم الإمام الماجن المتهم بالزندقة أحمد بن الحسن مبتدع بدعة الغدير، قال عنه يحيى بن الحسين في “بهجة الزمن”:
“ويشهد له والله إنه على دين الرافضة من الباطنية، ما جرى منه من البغي على الإمام المؤيد مرتين، وما جرى منه من قتل النفوس بيده ظلماً، ولم يتخلص مما يجب عن ذلك شرعاً، ومطله بالديون، وكذلك شعار يوم الغدير شعار الرافضة، وكتابته في بعض الضرب ما يتضمن الغلو في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب… وإذا صح ما ذكره صاحب القصيدة هذه أن المذكور عقيدته عقيدة الباطنية في نفي البعث فهذه بلية عظيمة على من بايع هذا السيد، وقد تحملوا في أعناقهم آثامهم، فلا قوة إلا بالله”.
ثم قال: “وأما كونه رافضياً في أصل الإمامة وأن النص في علي جلي فهو مصرح به، قائل به، معتقد له، متبجح بذلك”. ولتهوره في اللذات الدنيوية ومجونه، ذكر أنه كان: “مسرفاً على نفسه في الجواري والسراري، بحيث بلغن إلى سبعمائة ما بين سرية ووصيفة وخدامة، لا يفارقهن في الحضر والسفر، وكان يلبسهن أغلى الملابس الغالية، ويشتري لهن الأحزمة والبريمات المفضضة المذهبة بأغلى الأثمان”.
وفي سنة 1085هـ يقول المؤلف: “خطب خطيب صنعاء محمد بن إبراهيم السحولي بخطبة الرافضة يوم الغدير، ثامن عشر شهر الحجة يوم الجمعة، وحث الناس على الصيام فيه، وإظهار الشعار الذي للإمامية الاثني عشرية، ولم يخطب أحد قبله من أهل مذهبه”. وعندما وصلت الإمامة إلى أحمد بن الحسن، قال المؤرخ عنه: “وكان يظهر شعار يوم الغدير في جميع مدته، فاشتبه حاله ومذهبه، ولعله كان مع هواه وما يوافق صلاح رئاسته ويستعين به. ولكنه قد روي عنه عقيدة الجارودية، بل عقيدة الإمامية، بل عقيدة الرافضة فاشتبهت”.
وجاء في “بهجة الزمن”: “وفي هذه الأيام حال سكون أحمد بن الحسن بصنعاء بدار الجامع قيل: إنه كان يسمع في الليل صوتاً من سطح الجامع يقول: الظلم شهير، والفساد كثير، ثم أرسل من ينظر ذلك فلم يجدوه، وأخبر أهل الجامع أنه لم يكن فيه أحد، فأثر مع أحمد بن الحسن ذلك الكلام، ووقع معه الاهتمام، والظلم الذي اشتهر في اليمن الأسفل بالمطالب من ولاتهم، والإجحاف بحالهم، وعدم الإصغاء إلى إنصافهم، فلا قوة إلا بالله”.
ولا شك أن ما سبق يكشف أحد أهم أسباب التهميش الذي تعرض له الإمام المؤرخ يحيى بن الحسين بن القاسم في بعض المدونات الهادوية المتأخرة؛ فقد كان عالماً مجتهداً خرج عن التقليد المذهبي الضيق، وانحاز إلى الكتاب والسنة، ونقد الغلو الجارودي والرفض المستتر في بعض الأوساط الزيدية. ويشير إلى ذلك إسماعيل الأكوع في كتابه «هِجَر العلم ومعاقله في اليمن» بقوله: “(وقع بينه وبين بعض علماء عصره منافرة وخصومة؛ لميله للعمل بالكتاب وصحيح السنة النبوية، وهذا هو السبب في تجاهل مؤرخي علماء الزيدية المقلدين لذكره والإشادة به، وذلك لأنه كان نصيرًا للسنة وأهلها، وسوطَ عذابٍ على الجارودية)”.
وهي شهادة تلخص بوضوح السبب الذي جعل هذا المؤرخ الكبير، على الرغم من غزارة علمه وكثرة مؤلفاته ومكانته العلمية، لا يحظى بما يستحقه من الحضور في بعض الكتابات التاريخية الهادوية؛ إذ إن مواقفه النقدية من الغلو الجارودي، ودفاعه عن الصحابة، وتمسكه بالاحتكام إلى الكتاب والسنة، جعلته أقرب إلى مدرسة الاجتهاد اليمنية التي خرجت من رحم الزيدية، وأبعد عن دوائر التقليد المذهبي التي هيمنت على جانب من الكتابة التاريخية والفكرية في بعض المراحل اللاحقة.
نقلا عن (المصدر أون لاين)



