تحليلات

ماذا يعني مقتل خامنئي بالنسبة لعبدالملك الحوثي؟

مقالة تحليلية للباحث عدنان الجبرني

بمقتل خامنئي، يجد عبدالملك الحوثي نفسه وحيداً في ساحة المحور وقُمرته. بدأ الأمر بسليماني والمهندس، ثم بطله الشخصي حسن نصر الله، وقادة الحرس، وأخيراً، خامنئي.

على المستوى الشخصي، لم يرتبط عبدالملك الحوثي بخامنئي بشكل وجداني مباشر، مثلما كان ارتباطه بحسن نصر الله الذي شكّلت جاذبيته ونفوذه شخصية عبدالملك ذهنيا وسياسيا منذ بداية توليه قيادة الجماعة. لكن يمكن القول إن خامنئي هو صاحب التأثير الأكبر في فكر وعقيدة عبدالملك الحوثي وتشكيل منظوره الاستراتيجي للصراع مع الغرب من خلال خطّه وخطبه ومحاضراته وطريقة إدارته للمواجهة مع الولايات المتحدة بعناد وإصرار على خط الثورة الإسلامية؛ كان عبدالملك الحوثي يذاكر جيدًا في دفاتر خامنئي وتاريخه.

وبالمناسبة، فقد كان خامنئي يكرّر التنويه باندفاع عبدالملك الحوثي وجموحه ولهفته لاقتفاء طريق الثورة الإيرانية، ويصفه عادة بـ “سماحة السيد العزيز المجاهد”، وربما كان خامنئي يرى في ثورية الحوثي شيئا من شبابه وعناده.

ورغم أن الحوثية -كجماعة- تُعدّ آخر لبنات المحور انضماماً ونموّاً، إلا أن أسهمها صعدت بطريقة سريعة من خلال إظهار التحدي والإصرار وافتكاك المساحات بشكل يتجاوز سقوف المحور أحيانًا. وخلال العامين الماضيين لم يكن الحوثي راضيا تماما عن طريقة إدارة المواجهة مع إسرائيل، ولطالما حاول فرض طريقته وأسلوبه الذي يعتمد على المبادرة والمناجزة الجهادية بكل ما هو متاح، دون التقيّد بالحسابات الدقيقة، واستراتيجيةْ “الفوز بالنقاط” التي انتهجها نصر الله والحرس الثوري لتفادي الاشتباك الكبير خلال “معركة الإسناد” المرتبطة بحرب إسرائيل على غزة، وهي استراتيجية لم يكن الحوثي راضيًا عنها، بل تُرجّح المصادر أنه كان ينتقدها بوضوح في النقاشات الداخلية مع قادة المحور.

ومع مقتل خامنئي، وأركان نظامه يوم أمس، يبدو أن الفرصة قد توفّرت أخيرا للحوثي، ولكن في لحظة مُعقدة ومُكلفة للغاية. كما أن الانهيار أو الموت السريري المحتمل لنظام “الجمهورية الإسلامية في إيران” سوف يعقّد طموح الحوثي، وحتما سوف يُوهن الجماعة في جوانب مهمة، فما تحصل عليه الجماعة من إيران ليس هيّنا، خصوصاً مادياً وتقنياً ولوجستياً. وهنا من المهم القول إنه ورغم أهمية ومركزية الدعم الإيراني للحوثيين منذ أكثر من عقدين، إلا أن الواقع يقول ان الحوثي بلغ مستوى لا بأس به من مقومات المواجهة والبقاء.

ومع ذلك، فمن المستبعد أن تدفع إخفاقات المحور وهزائمه عبدالملك الحوثي نحو إعادة التفكير في أولوياته بشكل حاسم، وسيتجه للتركيز على التعويض من خلال مضاعفة الجهد لتحصين نفسه وجماعته بشكل أكبر، وتفادي المصير الذي سبقه إليه قادة المحور وساحاته، بينما يواصل الاعتقاد بتفرّده وقدرته على الاستعصاء، مع ميل متوقع نحو تأجيل أي مواجهة مدمرة، ريثما يحقق تقدما اكبر في تطوير صواريخ ودفاعات جوية أكثر فعالية والاعداد الاستراتيجي للبنية التحتية الجهادية.

مقتل خامنئي وبقاء الحوثي وحيداً، كمنظومة وقيادة، سوف يشجع على استكمال تفكيك المحور وطيّ صفحته من خلال انتزاع “المخلب الأخير” والمتحفز، لكن هناك عامل مهم ومرجّح، يتمثل في مشاركة الحوثي في هذه الحرب الى جانب ايران أم لا؟ حتى الآن، لم يشارك الحوثي في أول يومين، والأرجح أن غرفة عمليات المحور قد رسمت، قبل الحرب، الأدوار المحتملة للساحات، بحيث تتدخل في حالات معينة مثل طول أمد الحرب أو التحرك الفعلي لاسقاط النظام وإحداث تغيير جذري.. وفي حال توقفت الحرب على ايران دون تدخل الحوثي فربما يفتح ذلك المجال لإعادة النقاش مجدداً حول خارطة الطريق التي تتوسط فيها عمان وترسم السعودية خطوطها الرئيسية، وهذا أمر ربما يتوافق مع حاجة الحوثي للوقت وتفادي الضربة، لكن المتوقع ان اسرائيل لن تتأخر عن تصفية حسابها المؤجل مع الحوثي كما يكرر القادة الاسرائيليين.

بشكل عام، فمجموع العوامل المحلية ومتغيرات المشهد اليمني مؤخرا، وتحديدا تحسّن وضع القوات الحكومية واستعادة وحدة القرار العسكري والسياسي بمساعدة السعودية، وكذلك تدني القبول الشعبي بالحوثيين وتآكل صلابتهم الداخلية هيكليا وأمنيا، كل ذلك يؤكد أن أياما صعبة تنتظر آخر القلاع في منظومة “محور المقاومة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى