هندسة الوهم: المراوغة الإيرانية وتزييف مآلات الهزيمة
الدكتورة وسام باسندوة- عضو الهيئة الإستشارية لمركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية

في سياق الصراعات المعاصرة، لم يعد الحسم العسكري أو السياسي هو معيار النصرفقط، بل باتت القدرة على إدارة الهزيمة وإعادة تسويقها جزءًا لا يتجزأ من أدوات النجاح. وفي هذا الإطار، تقدم الحالة الإيرانية نموذجًا صارخًا لاستراتيجية تقوم على المراوغة، وإعادة توجيه النقاش، وفرض إيقاع تفاوضي يخدم هدفا واحدا: تحويل الخسارة الفعلية إلى مكسب سياسي متخيل.
من الواضح أن إيران، وفق مؤشرات متعددة، تكبدت خسارة حقيقية في جوهر الملفات الاستراتيجية، سواء على مستوى برنامجها النووي والعسكري، أو نفوذ أذرعها الإقليمية، أو قدرتها على فرض معادلات ردع مستقرة، ناهيك عن تكبد خسائر اقتصادية ضخمة، إلا أن ما يثير الغضب—بل ويستدعي الوقوف الحازم—هو نجاحها في فرض أسلوبها الخاص في إدارة هذه الخسارة، عبر تكتيكات مراوغة متقنة أعادت صياغة مسار النقاش بالكامل، وهذا هو اسلوب النظام الابراني ولاجديد فيه، دائما رفض الاعتراف بالواقع، المكابرة على حساب الدولة والشعب ودمارهم، واللعب على الوقت والمراوغة.
وللاسف مارالت تنجح في هذه التكتيكات حتى الان، رغم انه وبهذه الحرب تحديدا، وجدت اكثر من لحظة كان النظام الايراني اقرب مايكون للحظة تجرع السم التي اضطر فيها الخميني لوقف الحرب مع العراق وشبه الاعتراف بالهزيمة، الا انها نجحت لاحقا في كل مره لإيجاد طوق النجاة، وربما وجدتها بالوساطة الباكستانية هذه المرة، خاصة بعد ان قرأت نقاط ضعف خصومها جيدا خلال مدة الحرب وراهنت على التحولات الدولية والداخلية التي شكلتها الضغوط الاقتصادية دوليا كما هو حالها، فرهانها على من يصرخ اولا، وقدرتهم كنظام ثيوقراطي على ” الصمود” كما يسمونه او الصلف والانتحار كما اراه. ومن هنا نجحت حتى الان أن تبقي التركيز منصبًا على جوهر التحديات الداخلية التي تقودها للمفاوضات اصلا بدلا من التركيز على فحوى قبولها بالشروط الامريكية؛ الحوار الان هل سيحضرون ام لا بدلا من هل سياتون ليوقعون ام لا؟! ماذا عن البرنامج النووي؟ ماذا عن الصواريخ الباليستية؟ ماذا عن الأذرع المسلحة؟—انزلق النقاش تدريجيًا نحو قضايا هامشية أو مفتعلة، مثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز، رغم أنه لم يكن مغلقا اصلا قبل الحرب. هذه النقلات ليست عفوية او اوتوماتيكية، بل نتيجة مباشرة لاستراتيجية التشتيت وإعادة ترتيب الأولويات.
وهنا تتجلى خطورة المراوغة الايرانية: حين يتحول النقاش من مضمون الصراع إلى شكلياته، تكون الجهة التي فرضت هذا التحول قد ربحت جولة مهمة في معركة الوعي والإدراك.
إن الحديث المتكرر عن وجود انقسامات داخلية بين “صقور” و”حمائم”، أو عن تعذر الوصول إلى القرار النهائي بانتظار موقف المرشد، ليس إلا جزءًا من مسرحية سياسية تهدف إلى كسب الوقت، وإرباك الخصوم، وتعطيل أي ضغط جاد. هذا التكتيك لا يعكس ضعفًا بقدر ما يعكس فهمًا عميقًا لنقاط ضعف الطرف المقابل، واستثمارًا دقيقًا لها.
ولا بد من التأكيد هنا: إيران خسرت الحرب تمامًا على مستوى الحقائق الاستراتيجية، لكنها نجحت—حتى الآن—في معركة السردية. ما يهمها ليس الواقع بقدر ما يهمها كيف يظهر هذا الواقع أمام أتباعها، وكيف يمكن تقديمه بوصفه انتصارًا، أو على الأقل عدم هزيمة. إنها تسعى إلى الخروج بصورة المنتصر الذي فرض شروطه، لا الطرف الذي تراجع تحت الضغط.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فاستمرار التعاطي مع هذا الأسلوب—القائم على المماطلة، وإعادة توجيه النقاش، وكسب الوقت—لا يعني سوى منح هذه الاستراتيجية فرصة للتحول من مجرد تغطية على الهزيمة إلى وسيلة لقلبها إلى نصر سياسي فعلي. إن الزمن، في هذه الحالة، ليس عاملًا محايدًا، بل أداة بيد من يجيد استخدامه.
لذلك، فإن أي مقاربة جادة يجب أن ترفض الانجرار خلف هذه التكتيكات، وإعادة النقاش إلى جوهره الحقيقي، ومنع إعادة تعريف الهزيمة بوصفها إنجازًا. لأن السماح بذلك لا يعني فقط تشويه الحقائق، بل إعادة إنتاج الأزمة بشروط أسوأ.
ولن نستغرب ابدا اذا صرحوا لاحقا بأنهم ينتظرون موافقة الامام المغيب لمنحهم الاذن بالمغادرة لاسلام اباد!”


