تحليلات

اليمن: الغام الحوثيين.. موت محقق يهدد الحاضر ومستقبل الأجيال

بقلم | محمد الولص بحيبح - مؤسس ورئيس مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية

تعد الجمهورية اليمنية اليوم واحدة من أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام الأرضية ومخلّفات الحرب غير المنفجرة في كارثة إنسانية تجاوزت حدود الصراع العسكري وامتدت لتطال المدنيين الأبرياء، وهو ما أكد تقرير حديث صادر عن عمليات الحماية المدنية والمساعدات الإنسانية التابعة للاتحاد الأوروبي (ECHO) حيث صنف اليمن في المرتبة الثالثة عالميًا من حيث عدد ضحايا الألغام الأرضية.

وتشير التقديرات الميدانية وتقارير حقوقية لمنظمات حقوقية محلية ودولية إلى أن عدد الألغام التي زرعتها مليشيا الحوثي في الكثير من المحافظات والمناطق اليمنية منذ العام 2015 قد يتجاوز إلى مليوني لغم وعبوة ناسفة منتشرة بعشوائية مقصودة لقتل المدنيين والأطفال وكبار السن.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في العدد فحسب بل في النوع إذ تفنّنت المليشيات الحوثية المدعومة من ايران في تصنيع وتطوير ألغام مبتكرة ومموّهة قامت بزراعتها في كل المناطق الحيوية المرتبطة بحياة المدنيين ومصادر عيشهم. فلم تسلم منها المنازل ولا المزارع، ولا الطرقات ولا المرافق الخدمية مثل المدارس وآبار المياه.

ويعد ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي وجريمة حرب بل وعملاً إرهابياً يضمن استمرار التكلفة البشرية للألغام لعقود طويلة.

وخلال عشر سنوات من عمر الحرب في اليمن حصدت هذه الالغام والمتفجرات آلاف الأرواح من المدنيين غالبيتهم من الأطفال والنساء، الذين يعدون الأكثر عرضة للخطر أثناء عودتهم إلى منازلهم أو بحثهم عن مصادر رزقهم.

كما أن الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الكارثة لا يقل فداحة عن الأثر الجسدي إذ يتحول الناجون إلى أشخاص معاقين يواجهون تحديات مضاعفة في مجتمع أنهكته الحرب والدمار.

-مشروع مسام لنزع الالغام في اليمن استجابة إنسانية في وجه الموت:

أمام هذا التحدي الهائل وفي ظل غياب القدرات والامكانيات المحلية للتعامل مع هذه الأنواع المعقدة من الألغام والعبوات الناسفة استجابت المملكة العربية السعودية بإطلاق مشروع “مسام” لنزع الالغام منتصف العام 2018 كأحد أهم مشاريع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بهدف إلى تخليص اليمنيين من خطر الألغام ونتائجها المأساوية.

ويعمل مشروع مسام وفق المعايير الدولية معتمداً على فرق متخصصة ومدربة ومزوّدة بتقنيات متقدمة للتعامل مع الألغام المبتكرة والمدفونة ، وخلال ثمان سنوات من جهود وعمل مشوار مشروع مسام الانساني في اليمن فقد أثبت المشروع فعاليته في تطهير مساحات شاسعة مما مهد الطريق لعودة النازحين واستئناف الأنشطة الاقتصادية والزراعية.

-إنجازات مسام (حتى نهاية مايو 2026 )

حقق مشروع “مسام” أرقاماً غير مسبوقة في العمل الإنساني إذ تمكنت فرقه الميدانية من نزع وتدمير الى نهاية شهر مايو الماضي
بلغ 564,339 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة.
كما تمكن المشروع منتطهير أكثر من 80.7 مليون متر مربع من الأراضي اليمنية الملوثة بالألغام ومخلفات الحرب وهذا مايجعل مشروع مسام لنزع الالغام في اليمن تجربة سعودية رائدة وفريدة في العمل الإنساني.

وقد انعكست هذه الجهود على الأرض من خلال تطهير هذا المساحة الهائلة جعل الحياة آمنة إلى المناطق التي كانت مهجورة وتم تأمين الطرقات والمزارع والمناطق السكنية مما مكّن آلاف الأسر من العودة الآمنة.

ولم يقتصر الإنجاز الذي حقه مسام على الكم فقط ، بل شمل الجودة والتقنية إذ اعتمد “مسام” على استراتيجية لإتلاف كل ما يتم نزعه من ألغام ومخلّفات حرب مستخدمًا عدة طرق، بينها عمليات الإتلاف المركزية وتقنيات متقدمة مثل TG500 للإتلاف الآني، مع تطبيق معايير بيئية صارمة لضمان التخلص الآمن من المتفجرات، ومنع إعادة استخدامها من أي طرف كان.

كما توسعت جهود “مسام” لتشمل التوعية بمخاطر الألغام، عبر حملات مجتمعية استفاد منها عشرات الالاف من الاشخاص المدنيين في اليمن، وأسهمت في بناء وعي وقائي يحمي المدنيين خصوصًا الأطفال والنساء ورعاة الأغنام وغيرهم .

ويمتلك مشروع مسام اليوم في اليمن ثلاث مقرات حيث يوجد المقر الرئيسي للمشروع في محافظة مأرب والمقر الثاني في العاصمة الموقتة عدن ومقر ثالث تم افتتاحه في مطلع العام الماضي 2025 في محافظة حجه – مديرية ميدي الحدودية مع المملكة العربية السعودية.

يقود مسام فريق سعودي متخصص بادارة السيد اسامه يوسف القصيبي – سبق وان قاد مشروع نزع الالغام في لبنان لأكثر من 7 سنوات بدعم سعودي وإماراتي حقق هذا المشروع في لبنان نجاح إنساني كبير اكمل مهامه في العام 2009تقريبا.

ان الانجازات التي حققها فرق مشروع مسام دفع المشروع في سبيل تحقيقها ثمناً باهظاً تمثل في فقدان مسام ل 33 شهيداً بينهم خمسة خبراء أجانب، إضافة إلى اكثر 50 جريحاً معظمهم تعرض لإعاقات دائمة هذه التكلفه هي دليل واضح على تفاني “مسام” في إنارة طريق اليمنيين وتامين حياتهم .

يعمل في مشروع مسام اكثر من 525 موظف منهم اكثر من 30 خبير اجانب و8 خبراء سعوديين في مجال الالغام والعبوات الناسفة والقذائف الغير متفجرة وأكثر من 40 فريق ميداني يعملون في 11 محافظة يمنية اضافة إلى عشرات الإداريين والأطباء والفنيين والعمليات والخ…

اثبت مشروع مسام بانه تجربة سعودية رائدة في مجال العمل الإنساني ومواجهة الموت واعادة الامل والحياة حيث ساهم وعمل مسام على تامين حياة ملايين من اليمنيين ولازالت هناك مهام صعبة وجسيمة امام مشروع مسام في اليمن حيث لازال في اليمن اكثر من مليون ونصف لغم مزروعة في عشرات المحافظات والمناطق اليمنية تحتاج إلى اكثر من 10 سنوات من العمل الشاق والصعب لانتزاعها.

-نداء عالمي لوقف الجريمة المستمرة:

إن مواجهة كارثة الألغام في اليمن مسؤولية عالمية تقع على عاتق الضمير الإنساني. وبينما تواصل فرق “مسام” عملها الصعب في مواجهة هذا الموت المدفون يظل التحدي قائماً أمام المخزون الضخم من الألغام في حوزة مليشيات الحوثي وقيامها بشكل مستمر في تطوير وتصنيع الغام مبتكره بتقنيات حديثة وقيمها ايضا بتوسيع رقعة المناطق الملوثة بالالغام .

ولمواجهة التحدي فانه يتطلب من المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان اتخاذ موقف جاد حيال ذلك وممارسة ضغوط فعّالة على مليشيا الحوثي لوقف زراعة الألغام وتطويرها، وإجبارها على تسليم خرائط حقول الألغام في جميع المناطق الملوثة .
كما يجب عدم السماح بأن تتحول الألغام في اليمن إلى تركة ثقيلة ترهن مستقبل الأجيال القادمة.

فكل متر مربع يتم تطهيره وكل لغم يتم نزعه هو خطوة نحو استعادة الحياة الطبيعية في بلد يعاني من أكبر كارثة إنسانية في تاريخه الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى