مقالات

الدولة الفيدرالية.. وتعقيدات المشهد اليمني

الكاتب | نايف طعيمان

منذ أن اندفع الحوثيون بقوة السلاح خارج نطاقهم التقليدي وسيطروا على صنعاء ثم تمددوا إلى محافظات عدة، دخل اليمن مرحلة مفصلية أعادت صياغة الصراع من خلاف سياسي إلى صراع وجودي على الجغرافيا والدولة. 

لم يكن الأمر مجرد تغيير سلطة، بل إعادة رسم لخريطة النفوذ بالقوة، وفرض واقع سياسي وأمني جديد على مجتمع متنوع بطبيعته. 

وفي المقابل، شهد الجنوب صعود تشكيلات مسلحة تابعة لـ المجلس الانتقالي الجنوبي، التي بسطت نفوذها على محافظات جنوبية عبر مواجهات عسكرية وسياسة الأمر الواقع. 

وبين تمدد الحوثيين في الشمال وسيطرة الانتقالي في الجنوب، تآكلت فكرة الدولة الجامعة، وتعمّقت الانقسامات، واهتزت الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

هذه الاجتياحات المتبادلة لم تقتصر آثارها على تغيير موازين القوى، بل أسهمت في تمزيق النسيج المجتمعي ، فقد تحوّل الانتماء المناطقي إلى مصدر حساسية وريبة ، وتكرّست سرديات المظلومية، وغابت لغة الشراكة لتحل محلها لغة السيطرة ، ومع كل محافظة تُخضع بالقوة، كانت المسافة تكبر بين الدولة والمجتمع، ويتكرس شعور بأن السلطة تُنتزع بالسلاح لا تُمنح عبر التوافق.

لقد كشفت هذه التطورات عن أزمة عميقة في بنية الدولة المركزية ، فحين تُحتكر السلطة في مركز واحد، يصبح الصراع على ذلك المركز معركة كسر عظم، ومن يسيطر عليه يسيطر على البلاد بأكملها. 

وهكذا تحولت العاصمة إلى هدف استراتيجي لكل الأطراف، وغابت فكرة توزيع السلطة لصالح منطق الاستحواذ الكامل. 

ومن هنا تبرز الدولة الاتحادية الفيدرالية كحل جذري يعالج أصل المشكلة لا مظاهرها.

الفيدرالية تعني تفكيك احتكار السلطة دون تفكيك الدولة. 

إنها تنقل البلاد من معادلة “الكل أو لا شيء” إلى معادلة “الشراكة المتوازنة”. 

فعندما تتمتع الأقاليم بصلاحيات واسعة في إدارة شؤونها المحلية — من الأمن المحلي إلى التعليم والصحة والتنمية والاستثمار — تتراجع الحاجة إلى اجتياح المحافظات، لأن النفوذ لم يعد متركزاً في قبضة جهة واحدة يمكن الاستيلاء عليها و تصبح كل محافظة شريكاً في الحكم لا تابعاً، ويصبح التنافس تنموياً وإدارياً بدلاً من أن يكون عسكرياً.

كما أن الفيدرالية تمثل إطاراً عادلاً لمعالجة الاختلال في توزيع الثروة. فمحافظات غنية بالموارد النفطية والغازية شعرت طويلاً بأن عائداتها لا تنعكس على تنميتها، بينما عانت مناطق أخرى من التهميش السياسي والإداري. 

النظام الاتحادي، إذا بُني على أسس دستورية واضحة، يضمن توزيعاً عادلاً للموارد بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، ويمنح كل إقليم حقه في إدارة نصيبه من الثروة، بما يعزز العدالة ويحد من النزاعات المتكررة حول الموارد.

الأهم من ذلك أن الفيدرالية تعيد تعريف مفهوم الوحدة الوطنية ، فهي لا تقوم على إخضاع الأطراف للمركز، بل على عقد سياسي طوعي بين أقاليم متساوية في الحقوق والواجبات ، هذا التحول من منطق الهيمنة إلى منطق التعاقد هو ما يمكن أن يعالج آثار سنوات من الصراع المسلح. 

فحين يشعر أبناء أي إقليم أن هويتهم مصانة، وأن قرارهم ينبع من مؤسساتهم المنتخبة، يصبح الانتماء الوطني أكثر رسوخاً، لأن الوحدة هنا تصبح خياراً واعياً لا نتيجة فرض بالقوة.

وليس الحديث عن الفيدرالية طرحاً نظرياً مستحدثاً، بل هو امتداد لما أقرته القوى السياسية اليمنية في مؤتمر الحوار الوطني اليمني، الذي خلص إلى أن الدولة الاتحادية هي الصيغة الأنسب لمعالجة المظالم التاريخية وبناء يمن جديد قائم على الشراكة. لقد نصّت مخرجات الحوار بوضوح على تبني نظام اتحادي يوزع السلطة والثروة ويضمن مشاركة عادلة لكل الأقاليم، باعتبار ذلك الضمانة الحقيقية لوحدة مستدامة.

 غير أن تعثر تنفيذ تلك المخرجات، ثم اندلاع الحرب، أعاد البلاد إلى نقطة الصراع المسلح بدل الانتقال إلى مرحلة البناء المؤسسي اليوم، وبعد سنوات من الاستنزاف، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن لا غالب في هذا الصراع، وأن فرض السيطرة بالقوة لا يصنع استقراراً دائماً ، وحدها صيغة سياسية عادلة، تستند إلى ما توافق عليه اليمنيون في الحوار الوطني، يمكن أن تفتح أفقاً جديداً. 

الدولة الفيدرالية ليست مشروع تقسيم، بل مشروع إنقاذ؛ ليست تفكيكاً للوطن، بل إعادة تركيب عادلة لعلاقاته الداخلية.

إن الخروج من دوامة الغزو المتبادل وتمزق المجتمع يتطلب الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن احتكار المركز إلى توزيع الصلاحيات، ومن دولة الغلبة إلى دولة العقد. وفي السياق اليمني بكل تعقيداته، تبدو الدولة الاتحادية الفيدرالية الإطار الأكثر واقعية لاحتواء التنوع، وترميم النسيج الاجتماعي، وبناء دولة تتسع للجميع، وتحكمها المؤسسات لا فوهات البنادق.
-نقلا عن بران برس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى