اخبارتقارير

السعودية تقود جهوداً مكثفةً لاحتواء الأزمة الجنوبية في اليمن

صحيفة الرياض السعودية

منذ اللحظات الأولى لتصاعد التوتر في محافظة “حضرموت”: تحركت المملكة العربية السعودية باعتبارها طرفاً ضامنا للاستقرار ووسيطاً حريصا على تجنيب اليمن مزيدا من الصراعات الداخلية، حيث قادت جهودا مكثفة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو مواجهة عسكرية مفتوحة قد تترتب عليها كلفة إنسانية وسياسية باهظة.

وانطلقت المقاربة السعودية من مبدأ ثابت يقوم على تغليب الحوار وتقديم الحلول السياسية باعتبارها الطريق الوحيد لمعالجة الخلافات بين المكونات اليمنية مع التأكيد على أن أي تصعيد عسكري لن يخدم سوى تعقيد المشهد وإضعاف فرص السلام وإطالة أمد معاناة الشعب اليمني.

وسعت المملكة منذ بداية الأزمة إلى فتح قنوات تواصل مباشرة وغير مباشرة مع مختلف الأطراف المعنية وطرحت مبادرات عملية تهدف إلى خفض التوتر وسحب القوات من بؤر الاحتكاك وتسليم المواقع العسكرية للقوات النظامية بما يضمن استقرار حضرموت ويحافظ على خصوصيتها الاجتماعية والسياسية.

وأكدت المملكة في هذا السياق أن حضرموت تمثل ركيزة أساسية للاستقرار في جنوب اليمن وأن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة تتعارض مع متطلبات المرحلة الانتقالية وتنسف الجهود الرامية إلى بناء دولة قائمة على التوافق والشراكة واحترام إرادة المجتمعات المحلية.

هذا الدور التهدوي للمملكة لم يكن موقفاً ظرفياً بل امتداد لنهج سياسي واضح تبنته منذ سنوات في الملف اليمني يقوم على دعم الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية والحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه والعمل على معالجة القضايا السياسية العالقة عبر الحوار الوطني والتوافق الشامل.

وفي هذا الإطار أكدت المملكة أن القضية الجنوبية تمثل قضية سياسية عادلة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية شاملة باعتبارها جزءا أصيلاً من مخرجات الحوار الوطني اليمني وأي عملية سياسية قادمة تهدف إلى إنهاء النزاع وبناء دولة عادلة ومستقرة.

غير أن المملكة شددت في الوقت ذاته على أن عدالة القضية الجنوبية لا تعني احتكارها من قبل طرف واحد أو توظيفها لتحقيق مكاسب شخصية أو فرض رؤى أحادية تتجاهل تنوع المجتمع الجنوبي وتعدد مكوناته السياسية والاجتماعية.

فالقضية الجنوبية بحسب الرؤية السعودية هي قضية شعب بكامل أطيافه وقواه الحية ويجب أن تحل عبر التوافق وبناء الثقة والوفاء بالالتزامات السياسية بين أبناء اليمن جميعا بعيدا عن الإقصاء أو الاستقواء بالسلاح.

ومن هذا المنطلق ركزت الجهود السعودية على الفصل بين جوهر القضية الجنوبية العادلة وبين الممارسات السياسية لبعض القيادات التي اتسمت بالتصعيد والقرارات الأحادية والتي تهدد السلم الأهلي وتعرقل مسار التهدئة.

الجدل السياسي ومسار التصعيد

وفي قلب هذا الجدل السياسي برز اسم عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه فاعلاً مركزياً في مسار التصعيد الراهن حيث ترى أوساط سياسية وإعلامية يمنية أن سلوكه السياسي خلال السنوات الماضية يعكس نمطا متكررا من اتخاذ قرارات أحادية تتناقض مع متطلبات الشراكة الوطنية وتضر بمسار الدولة اليمنية.

ويشير محللون إلى أن الإشكالية لا تتعلق بموقع الزبيدي السياسي فحسب بل بنهجه في إدارة الخلافات حيث يغلب منطق القوة وفرض الأمر الواقع على منطق التوافق والحوار وهو ما ظهر في أكثر من محطة سياسية وأمنية منذ تأسيس المجلس الانتقالي.

فمنذ بروزه كلاعب سياسي بعد العام 2017 ارتبط اسم الزبيدي بمحطات صدامية داخل المحافظات الجنوبية سواء مع الحكومة الشرعية أو مع مكونات جنوبية أخرى وهو ما أسهم في تعميق الانقسامات الداخلية بدلا من توحيد الصف الجنوبي خلف مشروع سياسي جامع.

ويرى مراقبون أن الزبيدي قدم نفسه في أكثر من مناسبة بوصفه ممثلاً وحيداً للقضية الجنوبية متجاهلا حقيقة أن الجنوب يضم طيفا واسعا من القوى والمكونات السياسية والاجتماعية وأن اختزال هذه القضية العادلة في شخص أو كيان واحد يمثل إقصاء سياسيا يتناقض مع جوهر العدالة التي ينادي بها.

وتتسع دائرة الانتقادات الموجهة للزبيدي عندما يتعلق الأمر بدوره كعضو في مجلس القيادة الرئاسي اليمني حيث يرى كثيرون أن انخراطه في هذا المجلس كان يفترض أن يشكل انتقالاً من منطق الفصيل إلى منطق الدولة ومن خطاب التصعيد إلى خطاب المسؤولية الوطنية.

غير أن الوقائع على الأرض بحسب هذه القراءات تشير إلى أن الزبيدي لم يلتزم بروح هذا الدور بل واصل إدارة ملف الجنوب بعقلية منفصلة عن بقية الشركاء في السلطة الانتقالية ما أضعف الثقة السياسية وأربك عمل المجلس في مرحلة دقيقة من تاريخ اليمن

وتبرز في هذا السياق قرارات وتحركات وُصفت بأنها تتعارض بشكل صريح مع التزاماته السياسية وفي مقدمتها قيادته لتحركات عسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة وهي محافظات تتمتع بخصوصية اجتماعية وتاريخية وكان من المفترض التعامل معها بمنطق الشراكة لا بمنطق القوة.

وقد رافقت هذه التحركات بحسب مصادر محلية توتر أمني واسع وحالة من القلق المجتمعي وسقوط ضحايا من المدنيين وهو ما فاقم من حالة الرفض الشعبي لتواجد قوات المجلس الانتقالي في حضرموت وأعاد طرح تساؤلات جوهرية حول أهداف هذه التحركات وتوقيتها.

ازدواجية الخطاب السياسي

وفي خضم هذه التطورات تتزايد الانتقادات الموجهة للزبيدي بشأن ما يوصف بازدواجية الخطاب السياسي، حيث يطالب بانفصال الجنوب وتكوين دولة مستقلة في الوقت الذي يشغل فيه منصبا سياديا في أعلى هرم السلطة اليمنية الانتقالية وهو ما يعتبره محللون تناقضا سياسيا يضعف مصداقية الطرح الانفصالي ذاته.

كما تثير بعض القضايا الشخصية والسياسية المرتبطة بالزبيدي جدلا واسعا في الأوساط اليمنية من بينها ما يتردد في دوائر سياسية وإعلامية عن حصوله على جنسية دولة الإمارات العربية المتحدة وهذا يطرح تساؤلات حول طبيعة الولاءات السياسية وحدود تمثيل الإرادة الوطنية.

ويشير محللون إلى أن هذا الجدل لا ينفصل عن اتهامات متكررة للزبيدي بتقديم أجندات خارجية على حساب المصلحة الوطنية الجنوبية واليمنية وهي اتهامات تتغذى من طبيعة مواقفه السياسية وقراراته الميدانية التي كثيرا ما جاءت منسجمة مع حسابات إقليمية أكثر من كونها نابعة من توافق داخلي جنوبي.

استثمر القضية الجنوبية

وفي سياق متصل يرى مراقبون أن الزبيدي استثمر القضية الجنوبية في مراحل مختلفة كأداة ضغط سياسي للحصول على مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ فصيله العسكري دون أن يحقق تقدما حقيقيا على صعيد معالجة جذور القضية أو تحسين أوضاع المواطنين في المحافظات الجنوبية.

ويستشهد هؤلاء بسجل المجلس الانتقالي في إدارة المحافظات التي يسيطر عليها حيث لم تنعكس السيطرة الأمنية والعسكرية على تحسين الخدمات أو الاستقرار المعيشي بل شهدت تلك المناطق أزمات متفاقمة في الكهرباء والمياه والرواتب ما أضعف الثقة الشعبية في الشعارات السياسية المرفوعة.

وفي هذا السياق ترى أوساط سياسية يمنية أن أخطر ما في سلوك الزبيدي لا يتمثل في طروحاته الانفصالية بحد ذاتها بل في محاولته فرض هذه الطروحات بالقوة متجاوزا التوافقات السياسية ومخرجات الحوار الوطني واتفاق الرياض وقرار نقل السلطة.

وتؤكد هذه الأوساط أن فرض المشروعات السياسية بالقوة لا ينتج دولا ولا يحقق استقرارا بل يعيد إنتاج الصراعات ويفتح الباب أمام حروب داخلية لا تنتهي وهو ما تسعى المملكة إلى تجنبه من خلال دورها التهدوي ومساعيها المستمرة لإعادة الجميع إلى طاولة الحوار.

وفي هذا الإطار بذلت المملكة خلال الأسابيع الماضية جهودا مكثفة لإيجاد مخرج عملي للأزمة في حضرموت عبر مقترح يقضي بإنهاء التصعيد وخروج قوات المجلس الانتقالي من المعسكرات وتسليمها إلى قوات درع الوطن باعتبارها قوة نظامية معنية بحفظ الأمن والاستقرار،

غير أن هذه الجهود قوبلت برفض وتعنت من قبل الزبيدي الذي تجاهل الدعوات المتكررة للتهدئة وواصل اتخاذ قرارات أحادية زادت من تعقيد المشهد وأضعفت فرص التوصل إلى حلول توافقية تخدم المصلحة العامة.

وتجلت مظاهر هذا التعنت في رفض إصدار تصريح لطائرة تقل وفدا رسميا سعوديا كان من المقرر وصوله إلى عدن مطلع العام الجاري بالتنسيق مع بعض قيادات المجلس الانتقالي لبحث حلول للأزمة وهو تصرف اعتبرته أوساط سياسية مؤشرا خطيرا على تعطيل قنوات الحوار وتقويض جهود الوساطة.

كما واصل الزبيدي مسار التصعيد بإصدار توجيهات أدت إلى إغلاق حركة الطيران في مطار عدن وهو قرار ألحق أضرارا مباشرة بالمواطنين وقوض جهود التنسيق السياسي والعسكري والأمني وشكل سابقة خطيرة في إدارة المرافق السيادية.

النهج التصعيدي

وفي مقابل هذا النهج التصعيدي واصلت المملكة التأكيد على أنها استنفذت كافة الطرق السلمية لإيجاد حل للأزمة عبر الحوار وتغليب العقل وتقديم المصلحة العامة وأنها تعاملت مع التطورات بصبر ومسؤولية حرصا على تجنيب اليمن مزيدا من الانقسامات.

وأكدت الرياض أن دعمها لليمن واستقراره سيظل ثابتا وأنها لن تنجر إلى خيارات تصعيدية من شأنها تعميق معاناة الشعب اليمني بل ستواصل العمل مع الشركاء لدفع الأطراف نحو الالتزام بالمسار السياسي واحترام التوافقات القائمة.

وعلى الصعيد المحلي تتزايد الأصوات الحضرمية الرافضة لتواجد قوات المجلس الانتقالي في المحافظة والتي تؤكد أن حضرموت قادرة على إدارة شؤونها الأمنية عبر قوات نظامية تمثل أبناءها وتحترم خصوصيتها الاجتماعية والتاريخية.

وتعكس هذه المواقف حالة وعي متزايدة بخطورة عسكرة الخلافات السياسية وفرض الوصاية بالقوة وما قد يترتب على ذلك من تفكك اجتماعي وتهديد للسلم الأهلي.

وفي المقابل لا تزال المملكة تراهن على العقلاء داخل المجلس الانتقالي وعلى القيادات الوطنية التي تدرك خطورة المرحلة وتؤمن بأهمية العودة إلى طاولة الحوار والعمل المشترك لتحقيق تطلعات أبناء الشعب اليمني في السلام والأمن والاستقرار.

وتؤكد المملكة على أن الباب لا يزال مفتوحا أمام الحلول السياسية وأن الفرصة ما زالت قائمة لتصحيح المسار إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة وتغلب صوت الحكمة على منطق المغامرة.

وفي المحصلة تمثل أزمة حضرموت اختباراً حقيقياً لمدى الالتزام بمسار الدولة والتوافق السياسي في مواجهة مشروعات فردية لا تخدم سوى تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.

وتبقى المملكة العربية السعودية في هذا المشهد عاملا أساسيا في حماية فرص السلام ومنع انهيار الاستقرار عبر دورها التهدوي ومساعيها المتواصلة لجمع الأطراف على كلمة سواء تقوم على احترام الإرادة الشعبية والحفاظ على وحدة اليمن ومعالجة قضاياه العادلة بروح وطنية مسؤولة.

وفي ظل هذه المعادلة الدقيقة تبدو الحاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة الاعتبار للسياسة كأداة لحل الخلافات وتغليب منطق الدولة على منطق السلاح حفاظا على اليمن أرضا وإنسانا ومستقبلا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى