تحليلات

إيران في اليمن.. مكاسب النفوذ وكلفة التورط

الكاتب | د. فيصل علي

تستطيع إيران أن تمد الحوثيين بالسلاح، وأن تساعدهم على إعادة تجميع مكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي زودتهم بها وتغيير أسمائها، وأن تستغل موقع اليمن الاستراتيجي في تهديد الملاحة الدولية والضغط على خصومها. لكنها لا تستطيع ضمان مستقبل النفوذ الذي بنته على جماعة تخوض حربًا على الدولة اليمنية. فهذه الجماعة تضع نفسها فوق المجتمع ومؤسساته، وتستند في قرارها السياسي والعسكري إلى عقيدة الولاية والاصطفاء السلالي، وتقدّم الولاء العقائدي على سيادة الدولة ومصالح المواطنين.

هنا يبدأ المأزق الإيراني. فقد راهنت طهران على الحوثيين بوصفهم أداة متقدمة في صراعاتها الإقليمية، وحققت من خلالهم مكاسب عسكرية وسياسية، وربطت استمرار هذه المكاسب ببقاء سلطة الجماعة وقدرتها على الحرب. غير أن هذا النفوذ يصبح مصدرًا للقيود حين تتعارض حسابات الحليف مع مصالح داعمه، أو تتسع دائرة المواجهة بما يعرقل خياراته السياسية، أو تتراكم الخصومات مع الدولة والمجتمع اللذين تنشط الجماعة في إطارهما.

حققت هذه السياسة لطهران قدرة على تهديد المملكة العربية السعودية من جنوبها، وتوسيع مجال نفوذها إلى البحر الأحمر وباب المندب، وإشغال خصومها بعيدًا عن أراضيها. وكان الاستثمار في جماعة مسلحة أقل كلفة من خوض حرب مباشرة. فقد استفاد الحوثيون من سيطرتهم على مؤسسات الدولة اليمنية، وتحالفاتهم المحلية، والأسلحة التي استولوا عليها، ثم من الخبرات والتقنيات والإمدادات الإيرانية.

وقد يبدو، من هذه الزاوية، أن إيران ما زالت تحقق عائدًا كبيرًا باستثمار محدود، بينما يتحمل اليمنيون معظم كلفة الحرب والدمار. وهذا تقدير يستحق النظر، فارتفاع الكلفة على اليمن أو على خصوم طهران لا يعني تلقائيًا أن استراتيجيتها فشلت. لكن تقدير نجاحها يقتضي النظر إلى قدرتها على الاحتفاظ بهذا النفوذ، وضبط استخدامه، وتحويله إلى مكاسب سياسية مستقرة. فامتلاك أداة للإضرار لا يضمن التحكم في نتائج استخدامها، وما يخدم الضغط في مرحلة قد يتحول إلى عائق أمام التسوية في مرحلة أخرى.

ولا تقتصر هذه الكلفة على المستقبل، فبعضها يُدفع اليوم. فقد جعل الإسناد العسكري للحوثيين طهران طرفًا معنيًا بقيود دولية وإجراءات عقابية، إذ يحظر قرار مجلس الأمن 2216 توريد السلاح إلى الجماعة، وتتكرر عمليات اعتراض شحنات يُشتبه في إيرانية مصدرها، وتستهدف عقوبات دولية وأمريكية شبكات تمويل وإمداد مرتبطة بالملف الحوثي. وهي أعباء تصيب سمعة إيران وعلاقاتها وشبكاتها المالية، وتُضعف موقفها في أي تفاوض إقليمي.

وقد اتسعت هذه المشكلة مع انتقال الحوثيين من الحرب داخل اليمن واستهداف السعودية إلى تهديد الملاحة والمصالح الاقتصادية الدولية. فقد جعل توسيع نطاق الهجمات بقاء الجماعة وقدراتها العسكرية مسألة تتصل بمصالح دول وشركات وأسواق لا ترتبط مباشرة بالصراع اليمني، وزاد الضغوط على إيران بسبب إسنادها العسكري للجماعة.

ويتضح ذلك عند النظر إلى مضيقي هرمز وباب المندب. ففي هرمز، تستند إيران إلى موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية للضغط على خصومها والتأثير في حركة الطاقة والتجارة الدولية. وفي باب المندب، يمتلك الحوثيون قدرة على تهديد ممر بحري آخر بالغ الأهمية، مستفيدين من موقع اليمن والإسناد العسكري الإيراني الذي ساعد على تطوير قدراتهم.

وفي الحساب الاستراتيجي الإيراني، يتيح الجمع بين هاتين الساحتين توسيع خيارات الضغط ونقل جزء من كلفة المواجهة إلى دول أخرى. وكلما ضاقت خيارات طهران في مواجهة الولايات المتحدة وخصومها، ازدادت أهمية الحلفاء المسلحين القادرين على إشغالهم خارج الأراضي الإيرانية. وبهذا المعنى، يمكن توظيف باب المندب بوصفه امتدادًا للصراع حول هرمز، وتحويل الأراضي اليمنية إلى ساحة إضافية في المواجهة الإيرانية مع القوى الإقليمية والدولية.

لكن هذه القدرة تحمل تبعات سياسية وأمنية متزايدة. فكلما اتسعت المصالح المتضررة من تهديد الممرات البحرية، اتسعت دائرة الأطراف المعنية بإنهائه، وقد تتحول أوراق الضغط إلى أسباب لمواجهة أشد. كما تصبح قدرة طهران على ضبط سلوك حلفائها، واستعدادها لذلك، جزءًا من حسابات أي تفاهم إقليمي أو دولي معها، بما يصعّب فصل علاقاتها الخارجية عن أعمال الجماعات التي تدعمها.

وتكشف العلاقة بالحوثيين جانبًا آخر من المأزق. فقد احتفظت الجماعة بهامش من المناورة داخل ارتباطها الاستراتيجي بإيران، وبنت مصالح وشبكات سلطة وجباية وتعبئة عسكرية داخل اليمن. ويمكن توصيف هذه الحالة بأنها استقلالية نسبية في إدارة المصالح المحلية، ضمن تبعية استراتيجية لإيران. وهي صيغة تمنح الحوثيين مرونة في إدارة شؤونهم، وتتيح لطهران التنصل من المسؤولية المباشرة عن بعض قراراتهم، لكنها لا تضمن تطابق حسابات الطرفين في كل مرحلة.

فحين تحتاج إيران إلى التصعيد، قد تجد في الحوثيين طرفًا مستعدًا لتوسيع المواجهة. أما حين تحتاج إلى التهدئة، فقد ترى الجماعة في استمرار التصعيد وسيلة لحماية سلطتها وتعبئة أتباعها وتحسين شروط بقائها. وهنا يظهر أحد وجوه التورط الإيراني، إذ يوسع الإسناد العسكري قدرة الجماعة على الفعل، دون أن يمنح طهران ضمانًا بأن قراراتها ستخدم احتياجاتها في التوقيت نفسه.

وتزيد البنية العقائدية للجماعة هذه العلاقة تعقيدًا. صحيح أن المرجعيتين مختلفتان، فولاية الفقيه في التشيع الاثني عشري تقوم على نيابة الفقيه عن الإمام الغائب، بينما تقوم الولاية الحوثية على الاصطفاء السلالي في إطار الزيدية الهادوية بعد إعادة تأويلها (الولاية في البطنين، أي حصر الإمامة في ذرية الحسن والحسين). لكن القاسم المشترك بينهما هو الوظيفة السياسية للعقيدة: منح السلطة مشروعية دينية تتجاوز إرادة المواطنين، وتوظيف المعتقدات والرموز الغيبية في تبرير سياسات الحرب والتوسع والإخضاع.

وعندما تصبح توجيهات القيادة واجبات دينية لدى الأتباع، تضيق مساحة مساءلتها عن نتائج قراراتها. ولذلك فإن تقييم تعهدات الجماعة وتطميناتها يقتضي النظر إلى بنيتها العقائدية، وسجلها السياسي والعسكري، ومصالحها في الحرب والتهدئة. والتطمينات الانتقائية، مهما كانت الأطراف المستفيدة منها، لا تعالج أصل المشكلة، وهو امتلاك جماعة مسلحة سلطة تقرير من يحق له العبور ومن يمكن استهدافه. فسلامة الملاحة لا يجوز أن تصبح امتيازًا تمنحه الجماعة لطرف وتحجبه عن آخر، وفق حساباتها أو حسابات داعميها.

أما الخسارة الإيرانية الأعمق، فتقع داخل اليمن نفسه. لقد كانت أمام طهران فرص لبناء علاقات سياسية واقتصادية وثقافية طبيعية مع اليمن عبر مؤسساته الرسمية ومجتمعه. لكنها اختارت الاستثمار في جماعة مسلحة انقلبت على الدولة، وصادرت القرار الوطني، وحاولت إخضاع المجتمع لسلطة تقوم على الامتياز السلالي والولاء العقائدي. وبهذا الاختيار، جعلت علاقتها باليمن مرتبطة بسلطة الجماعة، وحمّلت أي علاقة مستقبلية مع الدولة اليمنية تبعات هذا الانحياز.

وقد وصل ذلك إلى مستوى التمثيل الدبلوماسي. فبعد قطع الحكومة اليمنية العلاقات مع إيران عام 2015، قبلت طهران ممثلًا للحوثيين عام 2019 بوصفه سفيرًا لليمن، وسلمته مقر البعثة اليمنية وممتلكاتها ومحفوظاتها، وفق ما ورد في احتجاج الحكومة اليمنية الرسمي لدى مجلس الأمن. واستند الاحتجاج إلى التزامات إيران بحماية مقر البعثة بعد قطع العلاقات، بموجب المادة 45 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وإلى احترام سيادة اليمن وشرعية حكومته.

وقد تحتج طهران بأنها تتعامل مع سلطة أمر واقع تسيطر على العاصمة. لكن الاعتراف الدولي ما زال للحكومة اليمنية، وهي الجهة المخوّلة بتمثيل الدولة، ولا يجيز التعامل مع سلطة الأمر الواقع تسليمها مقر بعثة تلتزم الدولة المستقبِلة بحمايته لمصلحة الدولة المعتمِدة. وكانت تلك خطوة كشفت استعداد طهران لتمكين الجماعة من التصرف باسم اليمن على حساب الدولة المعترف بها دوليًا.

وتتجاوز آثار هذا الخيار العلاقات بين الحكومات. فالحوثيون راكموا مظالم واحتقانات داخل المجتمع اليمني من خلال الحروب والاعتقالات والإقصاء السياسي والتدخل في المؤسسات، وإخضاع القبائل والقيادات المحلية لسلطة «المشرفين»، وهم مندوبو الجماعة الذين يمارسون الرقابة والقرار فوق الأجهزة المحلية. وقد دخلت الجماعة في تحالفات مع قوى قبلية وسياسية، لكنها اصطدمت بقوى أخرى، وفجّرت منازل، وفرضت الولاءات، وأعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية وفق حاجاتها العسكرية والعقائدية.

ولا تختفي هذه المظالم بانتهاء المعارك أو بتغير موازين السيطرة. فالمجتمعات تحتفظ بذاكرة ما تعرضت له، وتبقى آثار القمع حاضرة في مواقف الناس من السلطة ومن الأطراف التي ساعدتها على الاستمرار. وإيران، بإسنادها لهذا المشروع، تراكم كلفة سياسية طويلة الأمد، حتى بين يمنيين قد لا تجمعهم مواقف موحدة من بقية القضايا الإقليمية. وهذه خسارة تصيب فرص بناء علاقة مستقرة مع بلد كامل، وتتجاوز ما تكسبه طهران من علاقتها بجماعة تسيطر على جزء منه.

وللتاريخ اليمني دلالة في هذا السياق. فقد عرف اليمن النفوذ الفارسي قبل الإسلام، ثم شارك اليمنيون في التحولات التي أنهت الدولة الساسانية وأعادت تشكيل المنطقة. والعبرة هنا أن موازين القوة تتغير، وأن ضعف اليمن في مرحلة تاريخية لا يمنح قوة خارجية حق تقرير مستقبله أو ضمان السيطرة عليه.

ويصعب أن تضمن طهران نفوذًا دائمًا في اليمن بالسيطرة المسلحة على صنعاء. فالحوثيون يمثلون مشروعًا سياسيًا وعقائديًا له مؤيدوه وخصومه، بينما اليمن مجتمع أوسع وأكثر تنوعًا، وله تاريخ في مقاومة السلطة القائمة على الامتياز الديني والسلالي. وقد أسقط اليمنيون نظام الإمامة بثورة 26 سبتمبر، ولا تزال الجمهورية، بما تمثله من مواطنة ومساواة وسيادة شعبية، أساسًا للصراع مع المشروع الحوثي.

ومع ذلك، فإن خسارة إيران لا تتحول تلقائيًا إلى مكسب للدولة اليمنية. فقد استفاد الحوثيون من انقسام القوى الوطنية، وتعدد مراكز القرار، وتفكك المؤسسات، والتنافس على السلطة والموارد. وكلما استمرت هذه الاختلالات، وجدت الجماعة فرصًا لإعادة تنظيم قوتها، وتمكنت إيران من الاحتفاظ بنفوذها مهما ارتفعت كلفته. ولهذا فإن إنهاء النفوذ الإيراني المسلح يتطلب معالجة الظروف الداخلية التي سمحت له بالتمدد والاستمرار.

وتبدأ هذه المعالجة بثلاث خطوات مترابطة:

أولًا، توحيد القرار العسكري والأمني. ويعني ذلك دمج التشكيلات المسلحة في هيكل واحد تحت قيادة وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة وعلم الجمهورية اليمنية، بتسلسل قيادي وتمويل ورواتب موحدة، حتى لا تبقى لأي قوة مرجعية خارج الدولة.

ثانيًا، توحيد الموارد وانتظام الخدمات. فتوحيد الإيرادات، وتفعيل دور البنك المركزي، وانتظام الرواتب والخدمات في المناطق الخاضعة للحكومة، تمنح الدولة قدرة على المنافسة، وتقلل من اعتماد القوى المحلية على الدعم الخارجي.

ثالثًا، بناء الثقة مع سكان مناطق سيطرة الحوثيين. ويتحقق ذلك بخطاب سياسي جامع، ونموذج حكم ناجح في المناطق المحررة، وضمانات للحقوق والمواطنة، لأن الدولة القادرة على حماية المواطنين وتقديم الخدمات تستطيع تقليص البيئة التي تسمح باستمرار سلطة الجماعات المسلحة.

وتبقى مسؤولية استعادة السيادة اليمنية وإنهاء التهديد الحوثي من جذوره مسؤولية الدولة اليمنية وقواتها المسلحة، بدعم من المملكة العربية السعودية والتحالف، وبالتعاون مع الدول المعنية بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية. فتأمين السفن وحماية الموانئ واعتراض الصواريخ إجراءات ضرورية، لكن الاستقرار الدائم في باب المندب يتطلب استعادة الدولة اليمنية سيادتها على أراضيها ومياهها الإقليمية، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم في مؤسساتها الشرعية.

لقد ربطت إيران نفوذها في اليمن بمصير جماعة مسلحة، وجعلت استمرار اختلال الدولة اليمنية شرطًا لبقاء أداة مهمة من أدوات ضغطها في جنوب الجزيرة العربية. وستضع استعادة الدولة اليمنية سيادتها طهران أمام حصيلة اختيارها الاستراتيجي: سنوات من الاستثمار في مشروع مسلح، وخصومات متراكمة، وخسارة علاقة كان يمكن أن تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام بين دولتين وشعبين. أما اليمن، فمستقبله يقرره اليمنيون، وسيادته حق ثابت لا تمنحه إيران ولا تملك جماعة الحوثي مصادرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى