
أكدت السعودية وفرنسا دعمهما لمجلس القيادة الرئاسي اليمني وجهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل لحل شامل للأزمة اليمنية، وأدانتا هجمات الحوثيين على المنشآت المدنية والحيوية في المملكة والسفن التجارية، ضمن بيان مشترك صدر في ختام زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس، التي شهدت الإعلان عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم في قطاعات عدة.
وشدد البلدان على عزمهما الحفاظ على حرية الملاحة البحرية، معتبرين أن الأعمال الاستفزازية للحوثيين تفاقم المعاناة الإنسانية للشعب اليمني، فيما أكد الجانب الفرنسي تضامنه ودعمه الكامل للسعودية ورفضه أي اعتداءات تستهدف أراضيها.
وجاء البيان عقب مباحثات رسمية عقدها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الإثنين، مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، تناولا خلالها العلاقات الثنائية ومستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، بالتزامن مع مرور مائة عام على إقامة العلاقات السياسية بين البلدين.
وترأس بن سلمان وماكرون الاجتماع الأول لـ”مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي”، وأطلقا مبادرات جديدة لتعزيز التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية والتكنولوجية والثقافية.
وأكد الجانبان تطلعهما إلى البناء على الشراكة الاستراتيجية التي أُعلن تأسيسها خلال زيارة ماكرون إلى السعودية في ديسمبر 2024، وتعزيز روابط الصداقة والثقة والاحترام المتبادل، بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في مواجهة التحديات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والعالم.
وأعربا عن رؤيتهما المشتركة لإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط، استناداً إلى صون سيادة الدول واحترام القانون الدولي وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للنزاعات ومواجهة التهديدات الأمنية.
وفي الملف الإيراني، شدد البلدان على ضرورة التوصل إلى حل تفاوضي يمنع المزيد من التصعيد ويضمن الأمن الإقليمي، وجددا التزامهما بحل دبلوماسي يكفل سلمية البرنامج النووي الإيراني، ودعوا طهران إلى استئناف تعاونها الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأدان البيان الهجمات التي تستهدف السفن في مضيق هرمز والتهديدات التي تطال أمن الممرات المائية، مؤكداً ضرورة إعادة حركة الملاحة في المضيق إلى وضعها الطبيعي الذي كانت عليه قبل 28 فبراير 2026، وضمان حرية الملاحة وانتظام الشحن البحري وعدم فرض رسوم مباشرة أو غير مباشرة أو قيود على العبور، وفقاً للقانون الدولي.
وفي الشأن الفلسطيني، رحب الجانبان بالاتفاق القاضي بنزع سلاح حركة “حماس”، ودعوا إلى تنفيذ بنوده وتهيئة الظروف لإرساء وقف مستدام لإطلاق النار، بما يضمن وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في قطاع غزة بصورة عاجلة وآمنة ومن دون عوائق.
وأكد البلدان ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفضا أي محاولات لتقويض حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967، كما دعوا إلى وقف سياسة الاستيطان الإسرائيلية وعنف المستوطنين اللذين يهددان حل الدولتين.
وجدد الجانبان التزامهما بتنفيذ مضامين “إعلان نيويورك”، ودعمهما لجدول الإصلاح الخاص بالسلطة الفلسطينية، ورحبا بالإعلان عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في فلسطين.
وفي لبنان، اتفق البلدان على تكثيف جهودهما للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع وتعزيز مؤسسات الدولة والحفاظ على سيادة لبنان وسلامة أراضيه، مشيدين بالخطوات التي اتخذها الرئيس جوزاف عون والحكومة برئاسة نواف سلام لإعادة بناء مؤسسات الدولة وبسط سلطتها.
وأكد البيان استمرار دعم القوات المسلحة اللبنانية والأجهزة الأمنية لتمكينها من أداء مسؤولياتها، وشدد على تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، ونزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، إلى جانب انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية كافة.
وفي الملف السوداني، دعا الجانبان إلى تكثيف الجهود لإنهاء الأزمة ووقف التدخلات الخارجية، بما يضمن أمن السودان واستقراره ويحافظ على سيادته واستقلاله وسلامة أراضيه ومؤسساته.
كما أكدا التزامهما بوحدة سوريا واستقرارها وتعافيها الاقتصادي، وأهمية إيجاد إطار مؤسسي قوي يساعد على زيادة الاستثمارات وإعادة تموضع سوريا جسراً يربط أوروبا بالخليج وآسيا عبر تطوير طرق بديلة، ورحبا بتأسيس “مجلس أعمال سعودي سوري فرنسي مشترك”.
وعلى صعيد التعاون الدفاعي، اعتمد البلدان إعلاناً لتعزيز الشراكة في مجالات التسليح والتدريب والتنسيق المشترك، بما يخدم مصالحهما ويسهم في دعم الأمن والاستقرار الدوليين.
وأشاد الجانبان بنمو العلاقات الاقتصادية والتجارية، إذ بلغت قيمة التجارة الثنائية نحو 11.8 مليار دولار خلال عام 2025، واتفقا على توسيع الاستثمارات المتبادلة، خصوصاً في قطاعات الطاقة وإدارة المياه والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات المالية وشركات التأمين والتمويل.
وفي مجال الطاقة، أكد البلدان أهمية استقرار الأسواق العالمية وأمن الإمدادات وحماية الممرات البحرية، واتفقا على توسيع التعاون في النفط والبتروكيماويات والتوليد المستدام للكهرباء وكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة وتخزينها والطاقة النووية السلمية والهيدروجين النظيف وتقنيات خفض الانبعاثات وإزالتها، فضلاً عن التعاون في قضايا المناخ والتقنيات المرتبطة بها.
ورحب البيان بتوقيع شركة “القدية للاستثمار” مذكرة تفاهم لاستكشاف تطوير وجهة عالمية متعددة الاستخدامات في منطقة Cergy-Pontoise ضمن إقليم Ile-de-France الفرنسي، تجمع بين الترفيه والضيافة والثقافة والرياضة.
وتتضمن التصورات الأولية للمشروع إنشاء ما يصل إلى ثلاثة مرافق ترفيهية رئيسية، إلى جانب فنادق وتجارب ترويحية متكاملة، باستثمارات قد تصل إلى ستة مليارات يورو على امتداد مدة تنفيذ المشروع.
واتفق البلدان كذلك على إنشاء إطار مالي مخصص لدعم المشاريع التي تنفذها الشركات الفرنسية في السعودية، وتعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتقنيات الناشئة وبناء القدرات والمهارات.
وشهدت الزيارة توقيع اتفاقية لتمديد وتعديل التعاون السعودي الفرنسي في التنمية الثقافية والبيئية والسياحية والبشرية والاقتصادية والتراثية بمحافظة العلا، مع تمديد الشراكة بين البلدين بشأن المحافظة حتى عام 2035، خصوصاً في مجالات الآثار والتراث والثقافة.
كما جرى توقيع إعلان نوايا لتعزيز الشراكة الدفاعية، ومذكرة تفاهم بشأن التعاون في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة وتنمية القدرات، إلى جانب اتفاقيات ومذكرات تفاهم أخرى في مجالات الصحة والترفيه.
ورحب ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي بمشاركة باريس في معرض “إكسبو 2030 الرياض”، واتفقا على العمل لجعل الحدث محطة بارزة في العلاقات الثنائية من خلال إشراك الجهات المعنية في البلدين.
وأكد الجانبان التزامهما بتعزيز التعاون في مجالات الثقافة والشباب والرياضة وتطوير البرامج والأنشطة المشتركة، ورحبا بنجاح النسخة الثالثة من بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية التي أُقيمت في باريس خلال صيف 2026.
وفي الجانب الاستثماري، رحب البلدان بنتائج اجتماع “الطاولة المستديرة السعودي الفرنسي للاستثمار”، الذي اختُتم بحضور الأمير محمد بن سلمان وماكرون ومشاركة رؤساء تنفيذيين وممثلين عن القطاع الخاص في البلدين.
وناقش الاجتماع المشاريع المشتركة وفرص التعاون والاستثمار في قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل والخدمات اللوجستية والصحة والثقافة والسياحة والذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع الإعلان عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم، قال البيان إنها تعكس تنامي الشراكة الاقتصادية وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار المشترك



