مقالات

بين “عمرو بن لحي” و”الهاشمية السياسية اليمنية”: توظيف الخرافة لتركيع العقول

الكاتب | الصحفي عبد الخالق محمد منصور آل قاسم

ليست هذه مقارنةً تاريخيةً مجردة، بل قراءةٌ في نمطٍ متكررٍ عبر الأزمنة؛ فقد أشار أحدهم قديماً إلى “عمرو بن لحي الخزاعي”، ذلك الذي أحبه الناس ودانوا له بالولاء ظناً منهم أنه من أكابر العلماء وأفاضل الأولياء، بينما لم يكن في حقيقته إلا مجدداً للضلال ومستورداً للأصنام.

تستدعي هذه اللحظة التاريخية ما يشهده اليمن اليوم مع زعيم الميليشيات الحوثية، الذي يتبعه البسطاء مخدوعين بهالةٍ قدسيةٍ مزيفة، ودعاوى نسبٍ وتبرّكٍ لا تتجاوز كونها خرافاتٍ تتغذى على الجهل والانسياق الأعمى. ولو استقرأنا التاريخ لتبين أن هذه السلالة مارست تجهيلاً مُمَنْهجاً للمجتمع، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تُتخذ “الهاشمية السياسية” جسراً للوصول إلى السلطة، أم تستغلها إيران للتوغل في عمق الجزيرة العربية عبر البوابة اليمنية؟

الواقع يثبت صحة الاحتمالين معاً:
السعي للسيطرة الخفية: تحاول الهاشمية السياسية العودة إلى الحكم تحت مسمياتٍ وستاراتٍ متعددة، عبر إدارة “دولةٍ عميقة” تحركها مرجعياتٌ تكرس الخرافة بدلاً من القيم الدينية الأصيلة.

الأطماع الإيرانية الاستراتيجية: يمثل اليمن بموقعه الممتد بين البحر الأحمر وبحر العرب بوابة طهران الرئيسية للسيطرة على الجزيرة العربية، التي ظلت تاريخياً السد الذي تحطمت عليه إمبراطوريتهم.

ومنذ ذلك الحين، يُستدعى التاريخ لتكريس الأحقاد ضد الشعب اليمني والأمة العربية تحت شعارات الانتقام التاريخي ومحاربة “بني أمية”؛ تلك أمة لها ما كسبت ولنا ما كسبنا، فلا شأن لأجيالنا الحاضرة بصراعات الماضين، غير أن الهاشمية السياسية تحاول تحميل المعاصرين أوزار الماضي، وتدفيعهم ثمن ما أنجزه آباؤهم الثوار في العصر الحديث.

إن ما نعانيه اليوم هو بعثٌ لشخصية “عمرو بن لحي” بأساليب جديدة؛ وما نراه من توظيفٍ للمناسبات الدينية—وعلى رأسها المولد النبوي الشريف—ليبعث في النفس الذهول. كيف لشعبٍ كريم أن يُساق بهذه الطريقة؟ وهل عدنا لزمن ابن لحي لنقدس الأشخاص والأهواء؟ فلم يحتفل الصحابة ولا الرسول الكريم نفسه بمولده بهذه الصورة، بل تمسكوا بالسنّة والعمل بدلاً من الانشغال بالظواهر.

والأنكى من ذلك، أن الميليشيات تجاوزت مجرد استدعاء الخرافة، لتتخذ من مناسبة المولد النبوي الشريف موسماً سنوياً للجبايات وتكريس السيطرة الذهنية، وممارسة سياسة “القطرنة” التي تجرّع الشعب ويلات الجوع والتنكيل بسبابها في عهد الأئمة؛ فكيف لمناسبةٍ تُنسب للنبي الكريم أن تصبح عبئاً يثقل كاهل الناس ويُكرههم في واقعهم، وسط فقرٍ وجوعٍ صنعته هذه الجماعة؟

إننا نعيش زمن “عمرو بن لحي” بصبغةٍ هاشميةٍ سياسية تتوسل بالدين لتكريس جاهليةٍ جديدة أبطالها أصنامٌ بشرية.

لقد استغلت الجماعة بساطة البعض وسكوت آخرين لتصيغ عقولاً مُسيّرة لا مخيرة، وجاهلة لا متعلمة؛ حتى الغد المشرق المتمثل في الجامعات والكوادر الأكاديمية والصحية أُغرق في الهتافات الطائفية، وأصبح بعضهم يتحدث عن زعيم الميليشيات كأنه معصومٌ لا يُمس.
وهنا يتملكنا التساؤل: إن استمر هذا التجريف لعقود، كيف ستغدو العقول في اليمن؟ هل سنصل إلى تشويه المناسك وتغيير المقاصد الشرعية كما حدث في تجارب طائفية أخرى؟ إنها كارثةٌ حقيقية تستدعي الاستفاقة والمواجهة قبل فوات الأوان.

إن استمرار الهاشمية السياسية في حكم اليمن بهذه العقليات سينتج أصناماً بشرية تستعبد الناس؛ فإجبار الشباب على الذهاب للجبهات عبودية، وفرض الإتاوات بالقوة عبودية، وقمع الأحرار وسجن الأبرياء عبودية. إن الواجب الوطني والديني يفرض علينا التحرك الجاد للذود عن فكر الأمة وهويتها، كي لا تتحول الجزيرة العربية إلى مهبطٍ لأصنامٍ بشرية جديدة تُعيدنا إلى ظلمات الجاهلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى