مقالات

مأرب.. نموذج الدولة وتحدي إنهاء دوائر الثأر

الكاتب | انتصار القاضي

“المجتمع الذي ينجح في بناء الاستقرار لا بد أن ينجح أيضًا في حماية السلم الاجتماعي داخله.”

في وقت تعيش فيه كثير من المناطق اليمنية حالة من الاضطراب والانهيار المؤسسي، برزت مأرب خلال السنوات الأخيرة كنموذج لافت لقدرة اليمنيين على بناء مؤسسات الدولة حتى في أصعب الظروف. فقد استطاعت المحافظة أن توفر قدرًا من الاستقرار الإداري والأمني، وأن تستوعب موجات كبيرة من النازحين، وأن تحافظ على حدٍّ معقول من الخدمات والتنظيم رغم تعقيدات الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة.

هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود السلطة المحلية وتماسك المجتمع والقبائل، وإدراك الجميع بأن الاستقرار هو الأساس للحفاظ على ما تحقق. غير أن هذا النموذج الذي تمثله مأرب اليوم يواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في استمرار حوادث القتل والتصفية واتساع دوائر الثأر داخل المجتمع.

الثأر ليس مجرد قضية بين طرفين، بل دائرة اجتماعية معقدة حين تبدأ يصعب إيقافها بسهولة، لأنها غالبًا ما تتوسع لتشمل أقارب وأطرافًا لا علاقة لهم بالنزاع. ومع انتشار ثقافة استهداف الأقارب تحت مقولات مثل “إن لقيت الغريم ولا ابن عمه”، تتحول القضية من نزاع محدود إلى نزيف اجتماعي طويل يدفع ثمنه الأبرياء.

إن استمرار هذه الظاهرة لا يهدد حياة الأفراد فحسب، بل يهدد السلم الاجتماعي ويضعف صورة مأرب كمحافظة استطاعت أن تقدم نموذجًا للاستقرار في ظل ظروف معقدة. فكل حادثة ثأر جديدة تعني فتح جرح جديد داخل المجتمع، وتعني أن الجهود التي بُذلت لبناء الاستقرار ما تزال بحاجة إلى حماية حقيقية.

ولا يمكن معالجة هذه القضية إلا بتكاتف المجتمع والسلطة والقبائل. فالقبائل في مأرب تمتلك إرثًا طويلًا من الأعراف والصلح والتحكيم، وهي أدوات اجتماعية مهمة يمكن أن تسهم في إغلاق كثير من قضايا الثأر إذا ما جرى تفعيلها بروح مسؤولة تحمي المجتمع وتمنع استهداف الأبرياء.

كما أن للمشايخ والوجاهات القبلية دورًا محوريًا في هذا الجانب، لأن المجتمع ينظر إليهم باعتبارهم المرجعية الأولى في احتواء النزاعات. وإذا لم يكن من الممكن إنهاء جميع قضايا الثأر دفعة واحدة، فإن الحد الأدنى يتمثل في العمل على تقنين الأعراف القبلية بما يمنع توسع دائرة الدم، ويضع ضوابط واضحة تمنع استهداف الأبرياء أو توسيع النزاع خارج أطرافه المباشرين.

ومن المؤسف أن بعض حوادث الثأر لم تعد تراعي حتى حرمة الأزمنة التي كان الناس قديمًا يتوقفون فيها عن القتال، مثل الأشهر الحرم أو شهر رمضان، وهو ما يعكس خطورة استمرار هذه الظاهرة دون معالجات حقيقية توقف هذا النزيف المستمر.

وفي المقابل، يبقى دور الدولة أساسيًا عبر تفعيل القضاء وتعزيز حضور الأجهزة الأمنية وترسيخ هيبة القانون، لأن العدالة السريعة والعادلة هي الطريق الأقصر لإغلاق كثير من القضايا قبل أن تتحول إلى ثأر ممتد.

كما يبرز هنا دور رجال الأعمال في مأرب. فالمحافظة التي وفرت بيئة مستقرة نسبيًا للأعمال تحتاج اليوم إلى مساهمة أكبر من القطاع الخاص في دعم السلم الاجتماعي. فكثير من قضايا الثأر تتطلب أحيانًا موارد مالية لدعم جهود الصلح أو تعويضات الإصلاح بين الأطراف المتنازعة، ويمكن لرجال الأعمال أن يسهموا في دعم مبادرات الإصلاح المجتمعي والمشاركة في إغلاق كثير من ملفات النزاعات.

لقد أثبتت مأرب أنها قادرة على أن تكون نموذجًا للدولة حين تتوفر الإرادة. واليوم تقف أمام اختبار لا يقل أهمية: حماية هذا النموذج من التآكل بفعل الصراعات الداخلية. فإذا ما توحدت جهود المجتمع والقبائل والسلطة المحلية، وانخرط رجال الأعمال بدور أكثر مسؤولية، فإن مأرب قادرة على أن تقدم نموذجًا آخر لا يقل أهمية: نموذج محافظة تنتصر للسلم الاجتماعي وتكسر دائرة الثأر.

فإنهاء الثأر ليس مجرد صلح بين طرفين، بل هو خطوة لحماية مستقبل مجتمع كامل، ولضمان أن تبقى مأرب نموذجًا للاستقرار لا ساحة مفتوحة لصراعات الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى