تحليل: التصعيد الحوثي في البحر الأحمر ورقة طهران الأخيرة في مواجهة الضغوط الأمريكية

أكد دبلوماسي يمني، أن تصعيد مليشيا الحوثي في البحر الأحمر وباب المندب، جاء بإيعاز إيراني، كورقة ضغط تفاوضية أخيرة تستخدمها طهران، في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية الأمريكية.
وقال سفير اليمن لدى لبنان عبد الله عبد الكريم الدعيس، في مقال رأي نشره “الجزيرة نت”، إن إيران تستخدم الحوثيين كواحدة من أهم أدوات إدارة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، لافتاً إلى أن طهران لم تدفع بورقة الحوثيين منذ اللحظة الأولى للصراع، بل احتفظت بها حتى اشتدت الضغوط العسكرية والاقتصادية عليها.
وأضاف أن طهران ومنذ أن رسخت علاقتها بمليشيا الحوثي عملت على تحويلها تدريجيا من حركة تمرد محلية إلى ذراع إقليمية قادرة على التأثير في معادلات الأمن العربي والملاحة الدولية، بما ينسجم مع فلسفة السياسة الإيرانية القائمة على إدارة المواجهات عبر الوكلاء، وتقليل كلفة الاشتباك المباشر مع الخصوم.
وذكر الدعيس، أن إيران التي تواجه ضغوطاً أمريكية كبيرة، اتجهت إلى سياسة توسيع ساحات التوتر، بحيث تتحول كلفة الضغط عليها إلى كلفة باهظة لا يتحملها الاقتصاد العالمي أيضا، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الإيراني بجبهة البحر الأحمر ومضيق باب المندب بعد أن استُخدمت أوراقها الأخرى في لبنان والعراق وساحات إقليمية مختلفة.
وأوضح أن هذه الجبهة تكتسب أهمية استثنائية، لأن باب المندب ليس ممرا يمنيا فحسب، بل حلقة رئيسية في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية. ومن ثم فإن أي تهديد لأمن الملاحة فيه يمنح إيران قدرة غير مباشرة على التأثير في الأسواق العالمية ورفع كلفة المواجهة مع خصومها، وهو ما يجعل الحوثيين ورقة ضغط تتجاوز حدود الأزمة اليمنية.
وأشار الدبلوماسي اليمني إلى أنه وفي هذا الإطار تبرز محاولات تسيير الرحلات الجوية الإيرانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين باعتبارها أكثر من مجرد نشاط ذي طابع إنساني، وبما أوحى بوجود رغبة في فرض أمر واقع يفتح ممرا جويا دائما بين طهران والمناطق الخاضعة للحوثيين.
وأكد الدعيس على أن رفض الحكومة الشرعية لهذه الرحلات لم يكن مجرد موقف إجرائي، بل دفاعا عن مبدأ سيادة الدولة، ومنعا لتحويل المجال الجوي اليمني إلى قناة مفتوحة تعزز القدرات العسكرية للجماعة وتطيل أمد الحرب.وفي المقابل، حاولت مليشيا الحوثي تبرير هذه التحركات بالحديث عن “الحصار” المفروض على مطار صنعاء وموانئ الحديدة، في حين أن الإجراءات الدولية ارتبطت أساسا بمنع تهريب الأسلحة والقدرات العسكرية، لا بمنع الحركة الإنسانية المشروعة.
وأضاف أن تصوير الحوثيين هذه القيود باعتبارها سببا للتصعيد، ثم التهديد باستهداف الملاحة الدولية وموانئ ومطارات المملكة العربية السعودية الشقيقة يعكس توظيفا سياسيا للرواية الإنسانية لخدمة أهداف عسكرية واستراتيجية تتجاوز الساحة اليمنية. ما يؤكد أن السلوك الحالي للجماعة ليس تطورا طارئا، بل امتداد لمسار طويل من الارتباط بالمشروع الإيراني.
وأعاد الدعيس التذكير أن تهديد الملاحة في باب المندب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تصعيد عسكري، بل باعتباره رسالة تفاوضية موجهة إلى القوى الدولية، مفادها أن الضغط على إيران سيقابله اتساع نطاق التهديد للمصالح الاقتصادية العالمية
وأردف: “غير أن هذه الإستراتيجية تحمل في الوقت ذاته مخاطر كبيرة؛ إذ إنها تدفع المجتمع الدولي إلى مزيد من التنسيق لحماية الممرات البحرية، وتشديد الرقابة على خطوط الإمداد، وتعزيز القناعة بأن أمن البحر الأحمر لم يعد شأنا يمنيا فحسب، بل جزءا من منظومة الأمن الإقليمي والدولي”.
وأشار الدعيس إلى أن مستقبل التصعيد سيتوقف على قدرة المجتمع الدولي على الفصل بين الاعتبارات الإنسانية المشروعة وبين محاولات استغلالها لتمرير الدعم العسكري، وعلى مدى نجاحه في فرض التنفيذ الصارم لقرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن.
وختم الدبلوماسي اليمني، مقاله بالقول إن إيران ستواصل على الأرجح التعامل مع الحوثيين بوصفهم آخر أوراقها التفاوضية الأكثر فاعلية، في حين سيبقى تثبيت سيادة الدولة اليمنية وعودة السلطة الشرعية إلى صنعاء وتجفيف قنوات الإمداد العسكري، وحماية باب المندب من التحول إلى منصة ابتزاز سياسي، المدخل الحقيقي لتقليص نفوذ المشروع الإيراني واستعادة الاستقرار في اليمن والمنطقة.



