اخبارتقارير

زيارة الرئيس العليمي إلى جيبوتي: حضور يمني في قلب معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي

تقرير: عبدالرحمن جناح

لم تكن زيارة فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، إلى جمهورية جيبوتي الشقيقة زيارة عابرة في سجل المجاملات الدبلوماسية، ولا محطة بروتوكولية محدودة بالمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله. فقد جاءت الزيارة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الحرب في اليمن، وأمن البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وتحولات القرن الإفريقي، وتهديدات الإرهاب والمليشيات المسلحة، بما يجعل من الحضور اليمني في جيبوتي رسالة سياسية تتجاوز المناسبة إلى عمق المشهد الإقليمي.

وصل الرئيس العليمي إلى جيبوتي مشاركاً في مراسم تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله، ومعه عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، في حضور دولي وإقليمي واسع ضم قادة ورؤساء حكومات ووفوداً من عشرات الدول. غير أن أهمية المشاركة اليمنية لم تكن في الحضور الشكلي، بل في دلالتها السياسية: اليمن، رغم الحرب والانقلاب والتحديات الاقتصادية والأمنية، لا يزال حاضراً في فضائه العربي والإفريقي، ولا يزال طرفاً أصيلاً في صياغة معادلات الأمن والاستقرار على الضفة المقابلة من البحر الأحمر.

لقد حملت الزيارة في ظاهرها تهنئة لرئيس دولة شقيقة نال ثقة شعبه لولاية جديدة، لكنها في مضمونها أعادت تثبيت واحدة من أهم الحقائق الجيوسياسية: أن العلاقة اليمنية ـ الجيبوتية ليست علاقة جوار بحري فحسب، بل علاقة مصير ومصلحة وأمن مشترك. فبين اليمن وجيبوتي لا توجد مسافة سياسية بعيدة؛ هناك تاريخ ممتد، وجغرافيا متقابلة، وممر بحري حساس، وجالية يمنية وجدت في جيبوتي منفذاً إنسانياً في زمن الحرب، ومصالح مشتركة لا يمكن عزلها عن أمن البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي.

وفي لقاء الرئيس العليمي بأخيه الرئيس إسماعيل عمر جيله، بدا واضحاً أن الزيارة انتقلت من إطار المشاركة الاحتفالية إلى مستوى التشاور الاستراتيجي. فقد جرى بحث العلاقات الثنائية وسبل تطويرها في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتفعيل أطر التعاون المشترك، وفي مقدمتها اللجنة اليمنية ـ الجيبوتية المشتركة. وهذا المسار لا يعبّر فقط عن رغبة في تنشيط العلاقات، بل عن إدراك يمني وجيبوتي بأن المرحلة المقبلة لا تحتمل علاقات جامدة أو بروتوكولية، بل تتطلب شراكات عملية قادرة على التعامل مع ملفات الأمن، والهجرة، والتجارة، والملاحة، ومكافحة الإرهاب.

الأهم في هذه الزيارة أنها وضعت أمن البحر الأحمر وباب المندب في موقعه الطبيعي: ليس ملفاً فنياً ولا شأناً بحرياً محدوداً، بل قضية أمن قومي وإقليمي ودولي. فباب المندب لم يعد مجرد ممر للسفن، بل أصبح مقياساً لمدى قدرة الدول المشاطئة على حماية مصالحها وسيادتها ومنع القوى التخريبية من تحويل الممرات الدولية إلى أوراق ابتزاز سياسي وعسكري. ومن هنا جاء تأكيد الجانبين أن أمن البحر الأحمر مسؤولية جماعية ومصلحة حيوية مشتركة، في رسالة واضحة إلى أن التهديدات التي تستهدف الملاحة الدولية لا يمكن التعامل معها بسياسات منفردة أو ردود فعل مؤقتة، بل عبر تنسيق إقليمي منظم ومستدام.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرؤية التي حملها الرئيس العليمي إلى جيبوتي. فهو لم يذهب إلى الزيارة بوصفه رئيساً يشارك في مناسبة رسمية فحسب، بل بوصفه قائد دولة تواجه انقلاباً مسلحاً ومشروعاً عابراً للحدود تقوده مليشيات حوثية مدعومة من النظام الإيراني. ولذلك فإن الحديث عن أمن البحر الأحمر لا ينفصل عن الحديث عن استعادة الدولة اليمنية، ولا عن توحيد القرار الأمني والعسكري، ولا عن إنهاء سيطرة المليشيات على الجغرافيا اليمنية التي تحولت إلى منصة تهديد للداخل اليمني وللإقليم وللملاحة الدولية.

وقد وضع الرئيس العليمي نظيره الجيبوتي في صورة التطورات على الساحة اليمنية، بما في ذلك الجهود المبذولة لتعزيز التماسك المؤسسي، وتوحيد القرار الأمني والعسكري، ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والخدمية بدعم كبير من الأشقاء في المملكة العربية السعودية. وهذه النقطة تحمل دلالة سياسية مهمة؛ إذ تؤكد أن القيادة اليمنية لا تنظر إلى الدعم الإقليمي بوصفه مساندة ظرفية، بل بوصفه جزءاً من معركة استعادة الدولة وبناء مؤسساتها وحماية أمن المنطقة من تداعيات الانقلاب والفوضى.

كما عكست الزيارة تقديراً يمنياً واضحاً للمواقف الجيبوتية الداعمة. فجيبوتي لم تكن بعيدة عن الملف اليمني، سواء من خلال مواقفها السياسية، أو استضافتها للآليات الأممية ذات الصلة، أو عبر تسهيلاتها للجالية اليمنية التي وجدت فيها ملاذاً ومنفذاً إنسانياً خلال سنوات الحرب. وهذا التقدير اليمني ليس مجاملة دبلوماسية، بل اعتراف بدور دولة شقيقة أدركت منذ وقت مبكر أن استقرار اليمن جزء من استقرارها، وأن أمن الضفتين لا ينفصل.

ولم تقف الزيارة عند المسار اليمني ـ الجيبوتي، بل امتدت إلى لقاء سياسي مهم جمع الرئيس العليمي بالرئيس الصومالي الدكتور حسن شيخ محمود. وهذا اللقاء أضاف بعداً آخر للزيارة، إذ نقلها من ثنائية العلاقات مع جيبوتي إلى دائرة أوسع تشمل القرن الإفريقي، حيث تتداخل تحديات الإرهاب، والمليشيات المسلحة، والهجرة، والقرصنة، والجريمة المنظمة، والتدخلات الخارجية. وقد كان لافتاً أن اللقاء ركز على تنسيق جهود مكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، وهي عناوين تكشف أن اليمن والصومال يواجهان تحديات متشابهة، وأن التنسيق بينهما لم يعد خياراً سياسياً ثانوياً، بل ضرورة أمنية.

ومن خلال تأكيد الرئيس العليمي دعم اليمن لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه، بدا الخطاب اليمني منسجماً مع موقف ثابت يرفض تفكيك الدول الوطنية، ويدعم الشرعيات، ويحذر من مشاريع الفوضى. وهذا الموقف يعكس إدراكاً عميقاً بأن انهيار الدول في هذه المنطقة لا يبقى داخل حدودها، بل ينتج فراغات تستثمرها الجماعات الإرهابية، وشبكات التهريب، والمليشيات، والقوى الإقليمية الباحثة عن النفوذ عبر الاضطراب.

إن القراءة السياسية للزيارة تكشف أنها تحركت في ثلاثة مسارات متوازية. المسار الأول هو تعزيز العلاقات الثنائية مع جيبوتي على قاعدة التاريخ والجوار والمصالح المشتركة. والمسار الثاني هو تثبيت اليمن كطرف أساسي في معادلة أمن البحر الأحمر وباب المندب، لا كبلد غارق في أزمته الداخلية فقط. أما المسار الثالث فهو توسيع دائرة التنسيق مع دول القرن الإفريقي، وفي مقدمتها جيبوتي والصومال، لمواجهة تهديدات مشتركة تتجاوز الحدود التقليدية.

ولذلك يمكن القول إن الزيارة أعادت تقديم اليمن في موقعه الطبيعي: دولة محورية في أمن البحر الأحمر، وشريك لا غنى عنه في حماية باب المندب، وطرف رئيسي في أي مقاربة إقليمية جادة لمكافحة الإرهاب والمليشيات المسلحة وحماية الملاحة الدولية. كما أنها وجهت رسالة ضمنية إلى المجتمع الدولي مفادها أن استقرار اليمن ليس ملفاً إنسانياً أو سياسياً منعزلاً، بل شرط من شروط استقرار واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي الجانب الرمزي، جاء حضور الفريق الركن محمود الصبيحي إلى جانب الرئيس العليمي ليمنح الزيارة بعداً وطنياً إضافياً. فالصبيحي بما يمثله من رمزية عسكرية ووطنية، وبما يحمله اسمه من حضور في ذاكرة معركة الدولة ضد الانقلاب، يعزز صورة القيادة اليمنية وهي تتحرك خارجياً بروح الشراكة والمسؤولية الوطنية، لا بمنطق التمثيل الفردي أو الحضور البروتوكولي.

لقد انتهت الزيارة زمنياً، لكنها تركت أثراً سياسياً واضحاً. فقد أكدت أن الدبلوماسية اليمنية قادرة على الحركة في الملفات الحساسة، وأن القيادة الشرعية تسعى إلى تحويل العلاقات التاريخية إلى أدوات عمل سياسي وأمني، وأن اليمن لا ينظر إلى جواره الإفريقي من بعيد، بل بوصفه امتداداً مباشراً لأمنه القومي ومصالحه العليا.

الخلاصة السياسية

زيارة الرئيس العليمي إلى جيبوتي لم تكن زيارة مجاملة، بل تحركاً سياسياً محسوباً في توقيت إقليمي دقيق. حملت الزيارة رسالة إلى الداخل بأن القيادة تتحرك لتعزيز حضور الدولة، ورسالة إلى الجوار بأن اليمن شريك في الأمن والاستقرار، ورسالة إلى المجتمع الدولي بأن معالجة تهديدات البحر الأحمر تبدأ من دعم الدولة اليمنية وإنهاء خطر المليشيات الحوثية.

وبين مراسم التنصيب، ولقاء الرئيس الجيبوتي، والتشاور مع الرئيس الصومالي، ظهرت ملامح دبلوماسية يمنية أكثر وضوحاً: دبلوماسية تستند إلى الشرعية، وتتحرك من موقع المسؤولية، وتربط بين استعادة الدولة في الداخل وصون الأمن الإقليمي في الخارج. وهنا تكمن القيمة الأهم للزيارة؛ فهي لم تكتف بإثبات حضور اليمن، بل أعادت التأكيد أن اليمن، حين يستعيد دولته ومؤسساته، سيكون ركناً أساسياً في أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، لا عبئاً على المنطقة ولا ساحة مفتوحة للفوضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى