
في ظل تعقد المشهد الإقليمي وحالة عدم الاستقرار المتصاعدة، وتوسّع الهوة بين الدول المتنافسة وتعدد المحاور والتحالفات، يبقى اليمن حاضراً في حسابات أغلب القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المنطقة. فلا تركيا، ولا إيران، ولا مصر، ولا المملكة العربية السعودية ترغب في تقسيم اليمن، إذ يمثل ذلك تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي. والدليل أن العمليات السعودية العسكرية المحدودة في حضرموت والمهرة خلال العام الجاري ضد قوات المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا، كانت برضى إقليمي بل حتى إيران لم تعارض تلك العمليات العسكرية، وأوعزت لجماعة الحوثي أن لا تعبر حتى عن عن وجهة نظرها بشأن تلك العمليات العسكرية بشكل صريح، وهو ما يعد دليلًا على صحة هذه الفرضية.
ولهذا السبب، تجد الدول الساعية إلى تفكيك اليمن نفسها أمام وضع صعب حتى لإيجاد المبررات الكافية لتحقيق ما تصبو إليه. وأقصى ما يمكنها فعله حاليا هو الاستمرار في دعم جماعات ما دون الدولة، كالمجلس الانتقالي الجنوبي، في مساعي المشاغبة الأمنية وزعزعة الاستقرار، ولكن مثل هذا العمل له كلفة باهضة. ولكن، لا مشكلة لدى هذه الدول من الكلفة المالية طالما وسيحقق لها مصالحها. ولهذا، حالة الخواء الأمني وعدم تسريع الدولة لسد الفجوات والثغرات الأمنية قد يشجع على ظهور تمردات أخرى في جنوب البلاد. وهذا هو التحدي الأبرز أمام الحكومة وحليفها الإقليمي المتمثل بالسعودية.
وانطلاقًا من هذا الواقع، يبرز السؤال الجوهري التالي: ما مستقبل اليمن في ضوء المتغيرات الإقليمية الراهنة؟ وللإجابة على هذا السؤال ثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة يمكن استشرافها على النحو الآتي:
الأول: التسوية السياسية بناء على التفاوضات غير المعلنة. ويقوم هذا السيناريو على احتمال التوصل إلى تفاهمات سعودية مع جماعة الحوثي، تنعكس إيجاباً على مسار الحوار بين الحكومة والجماعة، وتفضي إلى تأسيس شراكة سياسية حقيقية وعملية انتقالية منظمة. غير أن ذلك يستلزم تنازلات جوهرية من جانب جماعة الحوثي، وهو ما لم يظهر حتى اللحظة على الأقل. ولكن، في ضوء ما آلت إليه أوضاع إيران، الداعم الإقليمي الأبرز للجماعة نتيجة للهجمات العسكرية التي تعرضت لها مؤخرا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل تبرز تساؤلات جدية حول ما إذا كانت قيادة جماعة الحوثي ستعيد حساباتها وتنخرط بإيجابية في أي مسار سياسي سلمي مستقبلي. ويزيد المشهد غموضا أن الجماعة لم تنزلق إلى جانب إيران في المواجهات الأخيرة، وهو ما يحتمل تفسيرين متعارضين: إما أنها تنتظر توسّع رقعة الصراع لتتدخل عبر إغلاق باب المندب واستهداف دول الخليج، وإما أنها آثرت ضبط النفس لحسابات محلية مستقبلية خاصة بها، لا سيما في ظل الضغوط الأمريكية على الرياض لتجميد الصفقة التي رسمتها السعودية عام 2023 وعُرفت بـ”خارطة الطريق”. ويبقى التعامل مع جماعة عقائدية مسلحة أمراً بالغ التعقيد يصعب معه استشراف توجهاتها بدقة.
ومع ذلك، ثمة مؤشرات يمكن البناء عليها؛ إذ شكّل اجتماع اللجنة العسكرية السعودية بوفد جماعة الحوثي برعاية المبعوث الدولي في الأردن مؤخرا خطوة إيجابية، فضلا عن اجتماعات ومباحثات مغلقة تجري في أكثر من عاصمة دون الإفصاح عن تفاصيلها. وإن كانت هذه الحوارات لا تزال في طور الاستكشاف لوجهات النظر، فإنها تظل مؤشراً واعداً إذا صدقت النوايا.
السيناريو الثاني يرتكز على استكمال الحكومة والسعودية الترتيبات الأمنية والعسكرية في المناطق الخاضعة للسيطرة الحكومية، بما فيها المناطق الشرقية والجنوبية التي كانت تتواجد فيها قوات المجلس الانتقالي قبل حلّه مطلع العام الجاري، تمهيداً لشنّ عملية عسكرية ضد جماعة الحوثي بدعم سعودي وغطاء دولي. ويغدو هذا الخيار أكثر ترجيحاً إذا أخفقت الرياض في إقناع جماعة الحوثي بالانخراط في حوار جاد وشامل مع باقي المكونات اليمنية. بيد أن ثمة عوامل قد تعرقل هذا المسار؛ فإن فشلت الحكومة في دمج قوات المجلس الانتقالي وحل إشكالياتها، وتصاعدت وتيرة زعزعة الاستقرار في المحافظات المحررة، فقد تنشغل الرياض والحكومة اليمنية بالتركيز على هذه المناطق، مما يؤخّر أي حسم عسكري مع جماعة الحوثي مما يزيد من معاناة اليمنيين.
ويتمثل السيناريو الثالث في الإخفاق على جميع الأصعدة، التفاوضية والعسكرية، مما قد يهيئ الظروف لبروز فاعل محلي جديد قادر على احتواء المشهد وإعادة رسم معادلاته. غير أن ملامح هذا الفاعل ومحدداته لا تزال ضبابية وغير واضحة المعالم في المرحلة الراهنة. ولكن، تبقى احتمالاته مفتوحة على تطورات داخلية غير متوقعة. وبالمجمل، فإن المعادلة الإقليمية قد شهدت تحولات مهمة، وأن الاستمرار في مقاربة الأزمة اليمنية من منظور أمني إقليمي ودولي ضيق لم يعد مجديًا.
وهو ما يستدعي من هذه الدول إعادة النظر في سياساتها تجاه اليمن، والعمل بالشراكة مع اليمنيين لتحقيق السلام والاستقرار والتكامل الاقتصادي والأمني خاصة مع دول الخليج العربي، بما يخدم مصالح المنطقة والعالم. وهذا يتطلب أيضًا وجود نخبة يمنية قادرة على استيعاب المتغيرات الإقليمية والدولية، وتوظيف الموقع الاستراتيجي لليمن بما يخدم مصالحه الوطنية العليا.
ختاما، يمتلك #اليمن كل المقومات الاستراتيجية ما يجعله طرفاً لا غنى عنه في أي معادلة إقليمية مستقبلية، سواءً بموقعه الجغرافي المطل على ممرات الملاحة الدولية في البحرين العربي والأحمر، أو بثقله الديموغرافي. غير أن استثمار هذه المقومات يستلزم نخبة سياسية يمنية واعية كما أشرت سابقا تستوعب المتغيرات وتستثمر الوضع الراهن، بدلاً من الانزلاق في صراعات محلية ضيقة. والسؤال المطروح، هل تلتقط النخبة اليمنية هذه الفرصة، أم تضيعها؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال، وما علينا سوى الانتظار وقد لا يطول.



