
الأمن القومي للدول لا يدار وفق مقاييس الشعبوية السياسية السطحية والرخيصة، التي تبيع العواطف الخادعة للعامة لإلهاب مشاعرهم، وإنما وفق قواعد عالية الحساسية لمقتضيات الأمن القومي لكل بلد بأبعاده المختلفة، بما في ذلك الردع العسكري للمخاطر التي تتعرض لها الدولة، ومن هنا تأتي اتفاقيات الدفاع المشترك بين دولة وأخرى، والتي تشمل أحيانا تخصيص قاعدة عسكرية في الدولة لهذه القوة الإقليمية أو الدولية أو غيرها، من أعمال السيادة المشروعة في جميع دول العالم، من شرقه لغربه، حسب احتياجات الدولة، وظروفها، وحسب اللحظة التاريخية، وحسب التهديدات الحالة أو المستقبلية التي تتحسب لها، ولا تقلل تلك الاتفاقيات من سيادة الدول واستقلالها، وقد أصبحت تلك الاتفاقيات من معالم السياسة الدولية في العقود الأخيرة، ليس في الخليج فقط بل في عشرات الدول حول العالم.
ومن هنا، فالمعاهدات العسكرية بين الدول الخليجية وأمريكا أو روسيا أو تركيا، أو أي قوة دولية أو إقليمية، والتي يتفرع منها التعاقد على إنشاء قواعد عسكرية في أراضيها، هي حق مشروع لأي دولة وفق تقديرها لاحتياجات أمنها القومي، وأحيانا تكون ضرورة أمنية لا غنى عنها، وهناك 80 دولة حول العالم حاليا فيها قواعد أمريكية، طالما أنها لا تعمل إلا في إطار المصالح الوطنية للبلد المستضيفة، أو تحقيق مصالح متبادلة، وبما يدعم أمن الدولة الخليجية القومي، وهي اتفاقيات تتضمن وثائقها المعلنة التزام الولايات المتحدة بحماية أمن واستقلال وسيادة الدولة المستضيفة ضد أي تهديدات خارجية، وتمنح الدولة المستضيفة أولوية في الحصول على الأسلحة الحديثة، والتكنولوجيا المتطورة في الدفاعات الجوية والحروب السيبرانية وغيرها، وأيضا المساهمة في تطوير قدرات جيوشها بالتدريبات العسكرية المشتركة، إضافة إلى النص على أن أي تحرك عسكري ينطلق من تلك القواعد لأي سبب كان، لا يكون إلا بتشاور وتنسيق “قرار مشترك” مع الدولة المستضيفة، لذلك وجدنا أن عددا من الدول الخليجية ترفض السماح للجيش الأمريكي باستخدام أراضيها في الحرب الأخيرة على إيران، مثل قطر والكويت، ورغم ذلك قامت إيران بالاعتداء على تلك الدول، رغم قرارها المعلن والتزامها الكامل به.
إيران التي تتاجر بهذا الملف، لشحن العواطف الشعبية بالتزييف، وتطالب بإبعاد القواعد الأمريكية في الخليج، بادعاء أنها تمثل خرقا للسيادة، وتهديدا للجيران، وتدغدغ بذلك الخطاب مشاعر قطاع من العرب، هي نفسها التي بنت قواعد عسكرية لها في بلاد العرب، في سوريا والعراق واليمن، ليس فقط قواعد بل احتلت سوريا وأصبح لها مطارات ومعسكرات ومقرات لا تخضع للدولة السورية، وأصبحت صاحبة القرار السياسي المحلي والدولي فيها، بل إن إيران التي تدعي حرصها على سيادة دول الإقليم هي التي أرسلت وفدا رفيعا إلى موسكو لمناشدة بوتين إرسال جيشه إلى سوريا لإنقاذ نظام بشار الأسد الذي كان على وشك السقوط، وأقنعت بشار بمنح الجيش الروسي قاعدتين عسكريتين كبيرتين بعقود تمتد لخمسين عاما، إضافة لانتشار عسكري في مواقع ومدن سوريا مختلفة، وهناك شريط فيديو متاح على الانترنت لزعيم حزب الله اللبناني المقتول حسن نصر الله يوضح فيه بالتفصيل قصة الوفد الإيراني برئاسة “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس الإيراني، إلى موسكو واتفاقه مع الروس على إقامة قاعدة لهم في الساحل السوري إضافة إلى انتشار الجيش في المدن وتخصيص مطارات لتحركات قواته .
كما أن إيران هي التي باركت وجود قواعد الجيش الأمريكي في العراق، وكانت تقدم لهم الدعم والمشورة، حتى أن الرئيس الإيراني ـ في فيديو بالصوت والصورة ـ يتبجح بأنه لولا إيران لما استطاعت أمريكا أن تسيطر على العراق أو أفغانستان، وكانت إيران تنسق مع القواعد العسكرية الأمريكية في العراق لهزيمة المقاومة العراقية السنية للاحتلال وتوجه الميلشيات الشيعية المتحالفة مع جيش الاحتلال للالتزام بذلك، وأيضا إيران هي التي كانت تنسق مع القواعد العسكرية الأمريكية في شرق سوريا أيام كانت تسيطر على القرار في دمشق، بدعوى مكافحة تنظيم داعش الإرهابي.
باختصار، إيران هي آخر من يمكنه أن يعطينا مواعظ وخطبا عصماء عن خطر القواعد العسكرية الأجنبية أو عن ضرر تلك القواعد أو تعارضها مع السيادة الوطنية.
علينا أن نتذكر جيدا، أن حكومة الكويت وشعب الكويت، قضوا سهرتهم ذات مساء ثم طلع عليهم النهار فلم يجدوا دولتهم، بسبب غدر الجار، فمن العاقل أو سليم النية الذي يطالب الكويت ـ على سبيل المثال ـ بإبعاد القواعد العسكرية الأمريكية التي تساعد في حماية أمنها القومي من غدر الجيران؟ كما أن الإمارات تغتصب إيران منها ثلاث جزر على مرمى البصر من أرضها ولا تستطيع استعادتهم حتى اليوم، كما أن مملكة البحرين كانت على وشك الضياع والتحول إلى محافظة إيرانية لولا سرعة تدخل الدبابات السعودية لوقف الانقلاب الذي تحركه إيران.
جوهر الأمر أن إيران التي رحبت ودعمت القواعد العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا وأفغانستان، تعرف أن دول الخليج ليس فيها جيوش كبيرة بسبب عدد السكان المحدود، لذلك هي تتمنى تفريغ دول الخليج من أي دعم عسكري خارجي تقدمه قواعد عسكرية لدول كبرى، لا من أجل العروبة ولا الإسلام ولا من أجل فلسطين، ليس من أجل الله والوطن والاستقلال المزعوم، إنما لأن ذلك يتيح لها السيطرة على المجال الحيوي هناك، والهيمنة الشاملة على الخليج سياسيا واقتصاديا وعسكريا أيضا، ويتيح لها حرية ممارسة الضغوط والابتزاز، وأيضا حرية الحركة عند الفرص المناسبة لغزو تلك البلاد واحتلالها، هي تريد أن تكون القوة الوحيدة صاحبة القرار والتوجيه على منطقة الخليج، هذا كل ما في الأمر.



