
أكتب إليك من عدن، المدينة التي غادرتها على عجل عقب انتشار رجالك في شوارعها؛ كلّ واحد منهم يحمل حقيبة «سامسونايت»، فيما كانت عيون الناس المتعبة تلاحقهم بفضول جائع، تتساءل عمّا تخبّئه تلك الحقائب.
اتصل بي صديق قائلاً: عليك أن تشتري لي الدرهم الإماراتي. سألته بدهشة، فأجاب بأن سعره، لكثرة تداوله وانتشاره، بات أقلّ في قائمة أسعار العملات مقابل الريال اليمني.
في عدن، كنت أستعدّ لمناقشة موازنة المؤسسة الصحافية الأولى في اليمن، تلك التي غابت كما غاب كثيرون. شدٌّ وجذب على أرقام بالريال اليمني، ورجال المالية يدقّقون في كل رقم كما لو أنه تهمة.
ثم، على نحو مفاجئ، ارتفعت أعلام الشطر الجنوبي السابق، وخلف كل مجموعة غاضبة كانت الدراهم الإماراتية حاضرة، ومعها رجال يشبهونك، بعقال وابتسامة باردة، غير أن غرورهم كان طافحًا؛ كأنهم يقولون، من طرف الخشم: بالدرهم نشتري هذا البلد الجائع.
هربتُ من هناك، لا لذنبٍ اقترفته، سوى أنني وُلدتُ في منطقة لم أخترها. فجأة صرتُ عدوًّا. أمراء الإمارات يوجّهون سبّاباتهم نحوي: هذا هو العدو. فأعدو هاربًا.
يمسكني أحدهم؛ يسيل لعابه، وتفوح منه رائحة النقود الجديدة. يسألني بحدّة:
– أنت شمالي؟
أهزز رأسي بعينين جاحظتين: لا.
يردّ بضجر غاضب:
– ما أنت إذن؟
قلت: اسمي.
صرخ:
– من أين أنت؟
قلت: من اليمن.
قال:
– ارحل من أرضنا.
تعثّرتُ بالسؤال أكثر مما تعثّرتُ بالخطو:
ليش؟ أين أنا؟
أليست عدن هي اليمن؟
وبالكاد أفلتُّ منه.
كان رجالك يطوفون في كل مؤسسة وكل حيّ، من عدن إلى حضرموت، فيما كانت المدرّعات تجوب الشوارع بعنف، تصعد بوحشية على جزر الإسفلت، كأنها لا تعترف بطريق أو مدينة.
وأمير دم، يلبس عقالًا وثوبًا إماراتيَّين، يصيح في قوم أتخمت جيوبهم الدراهم، يلوّح بإصبعه نحو الشرق، نحو حضرموت: الغزو .. الغزو.
فيصرخون فرحًا بالغنيمة المنتظرة. كنت أختبئ خلف عمود إعلانات ضخم، أراقبهم، وقلبي يدقّ بعنف، وسؤال يلحّ مثل طعنة: لماذا أرسلتهم يا سموّ الشيخ؟
غادرتُ عدن برًّا إلى مأرب، ومنها إلى أرض المملكة الحبيبة. وفي الجو، كانت الأخبار تتحدّث عن تحذيرات سعودية من الفوضى التي افتعلها رجالك. ولم أفهم: لماذا كلّ هذا؟
ألم تقتل ميليشيا الحوثي الإرهابية رجالك؟ لم يكن بينهم حضرميٌّ واحد. الذين أطلقوا صاروخ الغدر كانوا إيرانيين، لا غير.
حضرموت رأت الدم الإماراتي بألم، وكتبنا جميعًا بحزن. رأينا الدم مسفوحًا بكرامة، مثل شهقة بعث على صحراء مأرب. لماذا وجهت رجالك بالإسراء ليلاً للقبض على أحفاد النبي هود؟ إنَّه ليغضبُ في مرقده المقدس قائلاً: هذه أرض قوم عاد الذين كانوا جبابرة وما يزالون. وثمَّ نصٌّ من الذكر الحكيم يدوي في وجه الطغيان الكافر بأنعم الله؛ فأخشى أن تروا عارضاً يلوح في آفاقكم، فتحسبوه عارضًا يُمطركم ويدعمكم، وما هو إلا ريح صرصر عاتية.
إن تلك الأرض التي وطئتموها أرض أبيّةٌ غاضبة، ولن يرتضي الأنبياء ولا الملوك ولا المشايخ ما يفعله رجالك فيها. ومن نأي بعيد، أجدد نصحي: إننا نُجلُّ تضحياتكم، لكننا ننبذ الانفصال؛ فهل ترضى أن نُنادي بانفصال الإمارات التي لمّ شملها الشيخ زايد – طيب الله ثراه- بصبره وجلَدِه، حتى غدت دولة ترفلُ بأثواب العز وجودة الحياة؟
لا نرضى، ولن نرتضي أبدًا أذية أحد؛ بيد أننا نبعث إليك برسالتنا هذه في وقت لا ينفك فيه رجالك عن إمداد السلاح والمال لتقويض مطار “الريان” في المكلا؛ ذلك المطار الذي احتفينا يومًا بدعمكم لإعادة تأهيله، فما بال رجالك يسعون اليوم في هدم ما بنيتم؟
إننا نرجو منك كفَّ أيديهم، وصدقني؛ إنَّ اليمن بلدٌ يغضبُ له الله ورسوله والأنبياء، فلا تدع رجالك يتجرأون على حياضه مرة أخرى، واتقِ غضبة الأرض ومن عليها.
.. والى لقاء يتجدد



