مقالات

مأزق نظرية ولاية الفقيه في إيران

الكاتب | عبدالله القيسي

تعليقًا على ترشيح مجتبى خامنئي ليكون المرشد القادم في إيران، تبدو هذه المسألة محاطة بمجموعة من الموازنات المعقدة، التي يصعب الخروج منها دون المساس بالواقع السياسي أو بأصل نظرية ولاية الفقيه.. فمن زاوية اللحظة السياسية الراهنة، حيث تتصاعد الحرب وتتسع دائرة التحديات، قد يبدو اختيار شخصية من داخل البيت الأقرب إلى الحفاظ على تماسك النظام، إذ يمنحها الإرث الرمزي والسلطة المعنوية التي قد تعوّض جانبًا من نقص الخبرة أو القوة الشخصية، ويُسهّل انتقال النفوذ في مرحلة حساسة.

لكن هذا الاعتبار السياسي يفتح بالمقابل إشكالًا كبيرًا يتصل ببنية نظرية ولاية الفقيه نفسها. فالنظرية تفترض أن يتصدر القيادة فقيه بلغ مرتبة علمية رفيعة في الفقه والاجتهاد، حتى يصل إلى “آية الله”، أي أنه أمضى سنوات طويلة من عمره في التكوين العلمي داخل الحوزة، وهذا المسار العلمي غالبًا ما يكون بعيدًا عن دهاليز السياسة وصناعة القرار، مما قد يؤدي إلى ضعف الخبرة السياسية لدى من يتولى المنصب، فيصبح عرضة لتأثير من هم دونه أو أقوى منه في التجربة السياسية، وينقص بذلك دوره كولي فقيه نائب عن الإمام الغائب، فتتأثر مكانته ومكانة الإمام الغائب نفسه.

في المقابل، فإن اختيار شخصية ذات خبرة سياسية عميقة وخاضت غمار الدولة والسلطة لسنوات، يصطدم بشرط آخر في النظرية، وهو بلوغ المرتبة الفقهية العليا التي تؤهل صاحبها لأن يكون مرجعًا دينيًا وفقيهًا مجتهدًا. وهنا تظهر المعضلة بوضوح: فالجمع بين التعمق الكبير في الفقه والخبرة السياسية الواسعة أمر نادر الحدوث.

وتكشف التجربة الإيرانية هذه الإشكالية عمليًا، فقد تحقق هذا الجمع إلى حد ما في شخصية الخميني، ثم ضعف بشكل أكبر مع علي خامنئي، فقد جاء إلى المنصب مع قدر أقل من الجانب العلمي مقارنة بالخميني، مقابل حضور سياسي أوسع في إدارة الدولة.

أما بعد هاتين الشخصيتين، فيبدو أن تحقيق هذا الجمع بين المرجعية العلمية العميقة والقيادة السياسية القوية صار أصعب، وربما مستحيلاً. فإما أن يُختار فقيه غارق في التكوين العلمي فيضعف أداؤه السياسي، أو تُختار شخصية سياسية قوية لكنها تفتقر إلى العمق الفقهي الذي تقوم عليه شرعية النظرية.

وفكرة ولاية الفقيه في أصلها مبنية على أن هذا الفقيه نائب وولي عن الإمام الغائب، أي المهدي المنتظر، الذي يُعتقد أنه الإمام المعصوم المعيَّن من الله. وبناءً على هذا التصور، فإن الولي الفقيه ليس حاكمًا سياسيًا فقط كما عند المذاهب السنية، وإنما هو امتداد لسلطة الإمام الغائب، ويستمد شرعيته وهيبته من كونه نائبًا عنه.

ومن هنا تتجلى المفارقة بوضوح: إذا كان الفقيه قويًا في العلم الديني وضعيفًا في السياسة، فإن هيبة المنصب تتأثر مباشرة، أما إذا كان قويًا في السياسة وضعيفًا في الفقه، فإن شرعية النيابة الدينية تتزعزع. وهكذا تواجه النظرية مأزقًا مزدوجًا: غلبة الصفة الفقهية تُضعف الأداء السياسي، وغلبة الصفة السياسية تُضعف الشرعية الفقهية، فيتأثر امتداد السلطة الإلهية المفترض.

وبذلك، تبدو نظرية ولاية الفقيه اليوم في محك حقيقي، تكشف التجربة العملية صعوبة تحقيق النموذج الذي تفترضه، ودرجة كبيرة من عدم الواقعية في تصورها.

ومن ثم، يمكن اعتبار ترشيح مجتبى خامنئي هو أول سقوط عملي لهذه النظرية، إذ فضّل المسؤولون المصلحة السياسية على صون أصول النظرية. وهكذا عادوا عمليًا إلى مبدأ السياسة الذي طالما انتقدوه في مذاهب السنة، حيث يستند الحاكم إلى بيعة الناس وتحقيق المصلحة العامة لا إلى سلطة الإمام الغائب.

-لا يعني هذا بالضرورة أن الجمع بين الفقه والسياسة مستحيل أو صعب، وإنما الصعوبة تكمن في الجمع بين الفقه بالطريقة الحوزوية، التي تتطلب سنوات طويلة من الانغماس الكامل في العلم وصولًا إلى مرتبة عليا، وبين ممارسة السياسة في مجالات لم يُعشها الفقيه سابقًا بسبب انشغاله بالتحصيل العلمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى