تحليلات

الحملات العسكرية الزيدية على مكة والمدينة(١-٢)

عقيد/ عمار التام- كاتب وباحث مدير وحدة الرصد والمعلومات والتحليل لدى مركز البحر الأحمر للدراسات.

تُعتبر مكة المكرمة و مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المسلمين أقدس بقاع الأرض، ومهوى أفئدتهم، ومهد الرسالة ومهبط الوحي الأول، ففي مكة المسجد الحرام وقبلة المسلمين وشعائر الحج والعمرة، وفي المدينة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنطلق دولة الإسلام.
وهما في وجدان الأمّة رمز لوحدتها الدينية والحضارية، ومقدسات لا يملك المسلم تجاهها إلا التعظيم والمحبة والحرص على أمنها وصيانتها، والسعي لإضفاء شرعية الدول والمجتمعات بخدمتهما.

وبالنظر إلى تفسير جريمة استهداف الحوثي لمكة المكرمة يوم أمس بالمسيرات، وقبلها اعتراض صاروخ بالستي في عام 2018م، فإن الحوثي ينطلق في عداوته للمملكة العربية السعودية عموما من منظومة سلالية عقائدية تاريخية، ترى حقّها الإلهي في الوصاية على بلاد الحرمين الشريفين.

لا يمكن قراءة هذه العداوة الأزلية تجاه بلاد الحرمين بشكل منفصل عن معتقد وتاريخ الزيدية، التي نجحت تاريخيا -إلى حدٍ كبير- في الجمع بين السلوك الثوري الخارجي، وبين النهج الباطني التضليلي لحقيقة معتقدها وأطماعها وإعادة انتاج نفسها.

لقد انطلى تضليلها الباطني على الكثير من علماء أهل السنة قديما وحديثا؛ إذ يعجَب المطّلع على حقيقة الزيدية من وصف بعض علماء السنّة للحوثي أنه إيراني اثنى عشري مع الغفلة عن امتداده الزيدي عقيدة وتاريخا ، بل ويرددون بسذاجة فكرة أن “الزيدية أقرب فِرق التشيّع إلى السنّة”.

في الوقت الذي يتم فيه التناول التاريخي المكثف لحادثة اقتحام القرامطة لمكة المكرمة بقيادة أبي طاهر سليمان الجنابي سنة 317هجرية وقتله أعدادا كبيرة من الحجاج وسكّان مكة، واقتلاع الحجر الأسود من الكعبة ونقله إلى البحرين وإبقائه فيها 22عاما،
في مقابل تجاهل تاريخي لحملات الزيدية العسكرية على مكّة والمدينة قبل وبعد حادثة القرامطة .

في هذه الإحاطة نذكر ثلاث حملات زيدية على مكة كجزء أوّل، ونتبعها يوم غد إن شاء الله بذكر الحملات الزيدية على المدينة وبعض نصوص وتصريحات الزيدية المعاصرة في التحريض على حكّام وسكّان الحرمين الشريفين من منطلق عقائدي سلالي زيدي، يعتقد سقوط الحج عنهم لكون موقعه الجغرافي خارجاً عن سيطرتهم.

فقد قال عبدالله بن حمزة في رسالة (الدرة اليتيمة) ضمن (المجموع المنصوري) : “وتفرّقت كلمة السادة و الشيعة فطمع فيهم عدوهم، ومنهم من امتنع من الحج، وقضى علماؤهم بسقوط فرض الحج عنهم، لكون مرورهم على بلاد المجبرة” ص135، والمقصود بـ”المجبرة” هم المسلمين السنّة بحسب تصريحهم في أمهات كتبهم.

قبل ظهور يحيى بن الحسين الرسي في صعدة بثلاثة عقود أسس الإمام الزيدي إسماعيل بن يوسف الأخيضر سنة 251 هجرية مايسمّى بـ”الدولة الأخيضرية” في إقليم اليمامة وسط نجد ، وهو حَسَني هاشمي ينتهي نسبه إلى الحسن المثنى بن الحسن بن أبي طالب.

ترجم للأخيضر إمام الظل ومجدد تراث الزيدية مجدالدين المؤيدي في كتابه (التحف شرح الزلف) فقال: “والإمام إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن الإمام موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن السبط، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين في أيام المعتز العباسي” ص160.

وقال المؤرّخ الزيدي إبن عنبة في كتابه (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب) : “ومنهم : إسماعيل بن يوسف ظهر بالحجاز وغلب على مكة أيام المستعين وغوَّر العيون واعترض الحاج فقتل منهم جمعاً كثيراً ونهبهم” ص91.

جاء عن الأخيضر هذا في كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني -وهو كتاب معتبر عند الزيدية- ما نصه : “إﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﺑﻦ ﻳﻮﺳﻒ ﺑﻦ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﻦ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ اﻟﺤﺴﻦ ﺑﻦ اﻟﺤﺴﻦ، ﻓﻌﺎﺙ ﻭﺃﻓﺴﺪ، ﻭﻋﺮﺽ ﻟﻠﺤﺠﺎﺝ، ﻭﺗﺒﻌﻪ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻟﻪ، ﻭﻗﻄﻊ اﻟﻤﻴﺮﺓ ﻋﻦ اﻟﺤﺮﻡ” ج1 صـ 524 .

وفي كتابه (الكامل في التاريخ) قال بن الأثير في سياق كلامه عن أحداث سنة 251 هـ عن إسماعيل بن يوسف :
“ﻭَﻓِﻴﻬَﺎ ﻇَﻬَﺮَ ﺇِﺳْﻤَﺎﻋِﻴﻞُ ﺑْﻦُ ﻳﻮﺳﻒ ﺑْﻦِ ﺇِﺑْﺮَاﻫِﻴﻢَ ﺑْﻦِ ﻋَﺒْﺪِ اﻟﻠَّﻪِ ﺑْﻦِ اﻟْﺤَﺴَﻦِ ﺑْﻦِ اﻟْﺤَﺴَﻦِ ﺑْﻦِ ﻋَﻠِﻲِّ ﺑْﻦِ ﺃَﺑِﻲ ﻃَﺎﻟِﺐٍ ﺑِﻤَﻜَّﺔَ، ﻓَﻬَﺮَﺏَ ﺟَﻌْﻔَﺮٌ (ﺑِﺸَﺎﺷَﺎﺕَ) ، ﻭَاﻧْﺘَﻬَﺐَ ﺇِﺳْﻤَﺎﻋِﻴﻞُ ﻣُﻨْﺰِﻟَﻪُ ﻭَﻣَﻨَﺎﺯِﻝَ ﺃَﺻْﺤَﺎﺏِ اﻟﺴُّﻠْﻄَﺎﻥِ، ﻭَﻗَﺘَﻞَ اﻟْﺠُﻨْﺪَ ﻭَﺟَﻤَﺎﻋَﺔً ﻣِﻦْ ﺃَﻫْﻞِ ﻣَﻜَّﺔَ، ﻭَﺃَﺧَﺬَ ﻣَﺎ ﻛَﺎﻥَ ﺣَﻤَﻞَ ﻹِِﺻْﻼَﺡِ اﻟْﻘَﺒْﺮِ ﻣِﻦَ اﻟْﻤَﺎﻝِ ﻭَﻣَﺎ ﻓِﻲ اﻟْﻜَﻌْﺒَﺔِ ﻭَﺧَﺰَاﺋِﻨِﻬَﺎ ﻣِﻦَ اﻟﺬَّﻫَﺐِ ﻭَاﻟْﻔِﻀَّﺔِ ﻭَﻏَﻴْﺮِ ﺫَﻟِﻚَ، ﻭَﺃَﺧَﺬَ ﻛُﺴْﻮَﺓَ اﻟْﻜَﻌْﺒَﺔِ، ﻭَﺃَﺧَﺬَ ﻣِﻦَ اﻟﻨَّﺎﺱِ ﻧَﺤْﻮًا ﻣِﻦْ ﻣِﺎﺋَﺘَﻲْ ﺃَﻟْﻒِ ﺩِﻳﻨَﺎﺭٍ.

ﻭَﺧَﺮَﺝَ ﻣِﻨْﻬَﺎ ﺑَﻌْﺪَ ﺃَﻥْ ﻧَﻬَﺒَﻬَﺎ، ﻭَﺃَﺣْﺮَﻕَ ﺑَﻌْﻀَﻬَﺎ ﻓِﻲ ﺭَﺑِﻴﻊٍ اﻷَْﻭَّﻝِ ﺑَﻌْﺪَ ﺧَﻤْﺴِﻴﻦَ ﻳَﻮْﻣًﺎ ﻭَﺳَﺎﺭَ ﺇِﻟَﻰ اﻟْﻤَﺪِﻳﻨَﺔِ، ﻓَﺘَﻮَاﺭَﻯ ﻋَﺎﻣِﻠُﻬَﺎ، ﺛُﻢَّ ﺭَﺟَﻊَ ﺇِﺳْﻤَﺎﻋِﻴﻞُ ﺇِﻟَﻰ ﻣَﻜَّﺔَ ﻓِﻲ ﺭَﺟَﺐٍ ﻓَﺤَﺼَﺮَﻫُﻢْ ﺣَﺘَّﻰ ﺗَﻤَﺎﻭَﺕَ ﺃَﻫْﻠُﻬَﺎ ﺟُﻮﻋًﺎ ﻭَﻋَﻄَﺸًﺎ، ﻭَﺑَﻠَﻎَ اﻟْﺨُﺒْﺰُ ﺛَﻼَﺙَ ﺃَﻭَاﻕٍ ﺑِﺪِﺭْﻫَﻢٍ، ﻭَاﻟﻠَّﺤْﻢُ ﺭَﻃْﻞٌ ﺑِﺄَﺭْﺑَﻌَﺔِ ﺩَﺭَاﻫِﻢَ، ﻭَﺷَﺮْﺑَﺔُ ﻣَﺎءٍ ﺑِﺜَﻼَﺛَﺔِ ﺩَﺭَاﻫِﻢَ، ﻭَﻟَﻘِﻲَ ﺃَﻫْﻞُ ﻣَﻜَّﺔَ ﻣِﻨْﻪُ ﻛُﻞَّ ﺑَﻼَءٍ.

(ﺛُﻢَّ ﺳَﺎﺭَ ﺇِﻟَﻰ ﺟُﺪَّﺓٍ ﺑَﻌْﺪَ ﻣَﻘَﺎﻡِ ﺳَﺒْﻌَﺔٍ ﻭَﺧَﻤْﺴِﻴﻦَ ﻳَﻮْﻣًﺎ، ﻓَﺤَﺒَﺲَ ﻋَﻦِ اﻟﻨَّﺎﺱِ اﻟﻄَّﻌَﺎﻡَ) ، ﻭَﺃَﺧَﺬَ اﻷَْﻣْﻮَاﻝَ اﻟَّﺘِﻲ ﻟِﻠﺘُّﺠَّﺎﺭِ ﻭَﺃَﺻْﺤَﺎﺏِ اﻟْﻤَﺮَاﻛِﺐِ.
ﺛُﻢَّ ﻭَاﻓَﻰ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻋَﺮَﻓَﺔَ ﻭَﺑِﻬَﺎ ﻣُﺤَﻤَّﺪُ ﺑﻦ ﺃَﺣْﻤَﺪَ ﺑْﻦِ ﻋِﻴﺴَﻰ ﺑْﻦِ اﻟْﻤَﻨْﺼُﻮﺭِ اﻟْﻤُﻠَﻘَّﺐُ ﺑِﻜَﻌْﺐِ اﻟْﺒَﻘَﺮِ، ﻭَﻋِﻴﺴَﻰ ﺑْﻦُ ﻣُﺤَﻤَّﺪٍ اﻟْﻤَﺨْﺰُﻭﻣِﻲُّ ﺻَﺎﺣِﺐُ ﺟَﻴْﺶِ ﻣَﻜَّﺔَ، ﻛَﺎﻥَ اﻟْﻤُﻌْﺘَﺰُّ ﻭَﺟَّﻬَﻬُﻤَﺎ ﺇِﻟَﻴْﻬَﺎ، ﻓَﻘَﺎﺗَﻠَﻬُﻤَﺎ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ، ﻭَﻗَﺘَﻞَ ﻣِﻦَ اﻟْﺤَﺎﺝِّ ﻧَﺤْﻮَ ﺃَﻟْﻒٍ ﻭَﻣِﺎﺋَﺔٍ، ﻭَﺳَﻠَﺐَ اﻟﻨَّﺎﺱَ، ﻭَﻫَﺮَﺑُﻮا ﺇِﻟَﻰ ﻣَﻜَّﺔَ، ﻟَﻢْ ﻳَﻘِﻔُﻮا ﺑِﻌَﺮَﻓَﺔَ ﻟَﻴْﻼً ﻭَﻻَ ﻧَﻬَﺎﺭًا، ﻭَﻭَﻗَﻒَ ﺇِﺳْﻤَﺎﻋِﻴﻞُ ﻭَﺃَﺻْﺤَﺎﺑُﻪُ، ﺛُﻢَّ ﺭَﺟَﻊَ ﺇِﻟَﻰ ﺟُﺪَّﺓٍ ﻓَﺄَﻓْﻨَﻰ ﺃَﻣْﻮَاﻟَﻬَﺎ” ج6 صـ 231 ، 232.

ويضيف بن الأثير عن أحداث 252 هـ ما نصه : “ﻭَﻓِﻴﻬَﺎ ﻣَﺎﺕَ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﺑْﻦُ ﻳﻮﺳﻒ اﻟﻄَّﺎﻟِﺒِﻲُّ اﻟَّﺬِﻱ ﻛَﺎﻥَ ﻓَﻌَﻞَ ﺑِﻤَﻜَّﺔَ ﻣَﺎ ﻓَﻌَﻞَ”ج6 صـ 241.

كما هو معلوم هو أحد أئمة الزيدية المتقدمين الذين وصلوا إلى مكة فصنع فيها من الجرائم ما ذُكر عنه ولو وصل الآخرون من أئمة الزيدية إلى مكة لفعلوا كما فعل إذ أنهم لا يرون لمساجد وديار المسلمين أي حرمة ولتأكيد مرجعية الأخيضر التاريخية لدى الزيدية نذكر أبرز من ترجم له منهم.

أما المصادر التي ذكرت فعلته وجرائمه في مكة فهي: بن الأثير في الكامل في التاريخ، وكتابي مقاتل الطالبيين وعمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، وهما من أهم مصادر ومراجع الزيدية أي الكتابين.

أما أبرز الذين ترجموا له من الزيدية وعدُّوه إماما من أئمتهم فهم : عبد الله بن حمزة في كتاب (الشافي) ، ومجد الدين المؤيدي في كتاب ( التحف شرح الزلف)، ومحمد بن عبد الله عوض المؤيدي في كتاب ( شقاشق الأشجان شرح عقود المرجان)، وإبراهيم بن يحيى الدرسي في كتاب (الجواهر الحسان شرح عقودالمرجان )،وعباس محمد زيد في كتاب (أئمة أهل البيت).

ومن الجدير بالذكر أن الدولة الزيدية الأخيضرية تمثِّل حلقة تاريخية مهمة جدا، لأنها تفتح سؤالاً أكبر: كيف انتقلت الأفكار والأطماع الزيدية من فضائها العلوي الأوسع في الجزيرة والعراق والحجاز إلى التجربة الزيدية الهادوية في صعدة واليمن؟.

والإجابة بمثابة دلالة على أن الزيدية في الأساس تمثل الفكر الحركي الثوري لكل فرق التشيع كما ذكر الخيمني في سياق حديثه عن استلهام النموذج الزيدي لنظرية الولي الفقية والإستفادة من كتاب قواعد عقائد آل محمد لعزالدين الديلمي وفقا لتصريح محمد عبدالعظيم في زيارته الأخيرة لإيران.

ومن أبرز حملات الزيدية على مكة حملة الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم سنة 1041هـ تقريبا كما ذكر أ.د علي بن حسين الصميلي”كاتب سعودي وملحق ثقافي سابق في صنعاء”.

ذكر الصميلي ذلك في دراسة له منشورة في مجلة الخليج للتاريخ والآثار، لكنه تجاهل منع المؤيد للحج وما اقترفه من جرائم وقتل لوالي مكة الشريف، واكتفى بذكر علاقته مع أمير مكة الشريف زيد بن محسن الذي هرب معه إلى صنعاء بعد هزيمة جيش المؤيد في وادي فاطمة خارج مكة على يد العثمانيين .

وبحسب الرواية التاريخية المتداولة فقد أرسل الإمام المؤيد بالله جيشا زيديا قوامه نحو ألف مقاتل باتجاه مكة، دخل الجيش مكة وتمكن من قتل شريف مكة وهو من المنتسبين للعلويين والاستيلاء عليها، وتذكر المصادر التاريخية اتهامات للجيش بارتكاب جرائم فظيعة داخل مكة ونهب الكعبة ومنع الحج .
أثار ذلك تدخل الدولة العثمانية حينها، فأُرسلت قوة كبيرة من مصر لاستعادة مكّة.
انسحب الجيش الزيدي باتجاه وادي فاطمة، ثم سيطرت القوات العثمانية على الآبار التي كان يعتمد عليها الجيش في الماء، فاشتد عليهم العطش، وهلك نحو مئتي رجل عطشا، ثم استسلم البقية، وسمح لهم الوالي العثماني خليل باشا بالعودة إلى اليمن، بينما أُعدم أربعة من قادة الحملة تعزيرا.

كان تأسيس الدولة السعودية الأولى سنة 1727م/1139هجري على يد الإمام محمد بن سعود، وميثاق الدرعية بينه وبين الشيخ محمد بن عبدالوهاب بداية لانحسار التشيع الزيدي تحديدا في الجزيرة حتى وصل تأثير الدولة والدعوة السعودية إلى صنعاء.

ذكر صاحب كتاب حوليات يمانية الذي حققه عبدالله محمد الحبشي :” وفي سنة 1239هـ تهيأ المتوكل…

ورجع الإمام إلى صنعاء، ورجح مكاتبة النجدي(يقصد محمد بن سعود) ومداهنته، حتى وصل من الدرعية المطاوعة الآخرون الأمير محمد، ويوسف القرماني وجماعة معهم، وخاطبوا المتوكل في خراب المشاهد والقباب المنصوبة على قبور الصالحين والأئمة الهادين.. .

إضافة إلى المراسلات بين المهدي عباس و محمد بن سعود وقبوله هدم قباب محددة في صنعاء وعمران وغيرها من حواضر ومدن الهضبة ، إلا أن سقوط الدولة السعودية الأولى بعد حملة محمد علي باشا أوقف مسار انتشار السنة وطي الزيدية في مخاليف الشمال اليمني .

ومثلما مثَّلت الدولة السعودية الأولى والثانية بداية انحسار للزيدية في الجزيرة ووصول أثرها إلى اليمن ، فقد كانت ثورة الـ26 من سبتمبر المجيدة 1962م عهدا جديدا لسقوط الإمامة الزيدية في اليمن، ونذكر هنا حملة زيدية أخرى على مكة قبل قيام الجمهورية .

فقد ذكر عبدالواحد محمد راغب دلَّال في كتابه” البيان في تاريخ جازان وعسير ونجران” عن معركة تنومه يوم السبت 17ذي الحجة 1238هجرية في عهد يحيى حميد الدين:
“وقبيل ذلك بقليــل كـان الشريف حسين قـد تعـاهـد سـراً مـع إمـام اليمـن على التصدى لابن سعود، وتسرب خبر هذا الاتفاق وأثناء مطاردة فلول المنهزمين من جيش الشريف، رأى عبدالعزيز بن إبراهيــم ـــ أحد قادة جيش الأمير فيصل، الذي أوكل إليـه أمـر “أبها” وماحولهـا ــ قافلة قادمــة مـن الجنوب، وعرف أمير أبها منهم أنهم قادمون للحج، وكان عددهم كبيراً، ويحمل بعضهم أسلحة، ويشهرها علناً مما يثير الشك في أمرهم.

فخشي أن يسلكوا الطريق الذي تدور فيه رحى المعركة، فنصحهم بسلوك طريق آخر، فرفضوا، وحدث ما توقعه من قبل أمير أبها، حيث ظنهم مقاتلون وقوات يمنية قدمت لمساعدة جيش الشريف، بناء على الاتفاق المشار إليه، وكانت حادثة “تنومة” التي استغلها البعض سياسياً، بعد وقوعها بزمن “ص207.

وحادثة تنومه هذه يبني عليها الحوثي رواية دعائية تحريضية ضد المملكة العربية السعودية ويتهمها بجريمة قتل الحجاج اليمنيين، بينما الحقيقة تقول إنها لم تكن قافلة حج بل كانت حملة عسكرية زيدية أخرى على مكة.
ومثلما أسقطت الجمهورية حكم الكهنوت الزيدي في اليمن وفتحت الأبواب مشرعة لانتشار السنّة، فإن عودة الزيدية بعد تمرّد الحوثي على الجمهورية والدولة في 21سبتمبر2014م، كامتداد تاريخي للزيدية في سياق حلفه الإندماجي مع مشروع الولي الفقيه .

يعود خطر حملاتهم المعادية بقوة على المملكة العربية السعودية والحرمين الشريفين من منطلقات مبدأية يعتبر الحوثي اليمن فيها مجرد جسر للعبور، لتحقيق غايته التي يصدح بها في كل منبر ومناسبة بدون مواربة.

ويرى بعض المحللين أن استهداف مكة الأخير من قبل الحوثي بالطيران المسير متعمد، أراد من خلاله توجيه رسالة مفادها عدم اكتراثه باتفاق مكة وغيره، بل وسعيه للإستفادة من المتغيرات الإقليمية والدولية لإعلان الحرب مع السعودية منفردة بعد وصوله باب المندب، في الوقت الذي تعهد في لقاء مباشر مع مسؤولين أمريكيين بمسقط عن التزامه بعدم التعرض للسفن الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يجعل تصحيح مسار الشرعية في مواجهته بدعم وإسناد السعودية ضرورة قصوى تسابق الزمن.

يتبع الجزء الثاني ….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى