
في عام ٢٠١٢م و بعد شهرين فقط من أداء سلطان العرادة اليمين الدستورية محافظا لمحافظة مأرب، تعرضت شبكة الكهرباء لاعتداء ٱثم، حينها عقد وزير الكهرباء انذاك، صالح سميع، مؤتمرا صحفيا وقال أن عصابة منظمة تخوض حربا ممنهجة على البنية التحتية للكهرباء!.
في اليوم نفسه كتبت مادة صحفية في صحيفة الصحوة عن هذه “الحرب الممنهجة” ضد الكهرباء، ومن بين العناوين الفرعية كتبت عنوان صغير: يا عيب الشوم!، وفيه اشرت إلى أن المخربين لا يمكن أن يمثلوا قبائل مارب العظيمة.
اليوم التالي لصدور العدد، تلقيت اتصالا، واول كلمة سمعتها يا حسين الصوفي يا عيب الشوم!. بلهجة يدوية متبوعة بضحكة، رحبت بالمتصل ودافعت عن كتابتي بشدة أنني كنت منحازا لمأرب، وانا كنت كذلك بالفعل، ثم قاطعني المتصل: معك علي الغليسي السكرتير الصحفي لمحافظ مأرب، اتصلت بك لأشكرك ولست في معرض عتب!. تلك أول معرفة لي بالزميل القدير والصحفي المتمكن، علي الغليسي ، لقد خسرت الصحافة رقما صعبا وواحدا من أعمدتها، بينما كسبته الدولة والوظيفة العامة، والنضال قيمة ومهمة مهما تبدلت المواقع.
ما الذي دفعني لاستدعاء هذا الموقف من الذاكرة؟!
عصر اليوم تعرضت شبكة الكهرباء في مأرب لثلاثة اعتداءات تخريبية أخرجنها عن الخدمة، هذه ليست أول مرة، بالعودة إلى الخط الزمني التسلسلي ستجد أن كهرباء مارب لا تزال تخوض “حرب ممنهجة” منذ ٢٠١٢م حتى اللحظة.
صبيحة عيد الاضحى المبارك قبل عام، كنا نتبادل التهاني في مساجد مارب، بينما كانت الفرق الهندسية للكهرباء يحاربون من أجل إعادة التيار، لم يتمكنوا من قضاء العيد مع أهاليهم، كانوا في مهمة مقدسة يؤدون واجبهم الوطني في كل الظروف.
تعرضت البلاد كلها لحرب استئصالية، وتساقطت مؤسسات الدولة، وانهارت القلاع، وكادت اليمن تغرق في المجهول، وتلك أخطر مرحلة عاشتها الجمهورية، وحين كان الجميع يعالجون الصدمة بعجز وتيه وذهول، كانت السلطة المحلية بمأرب تقف على اقدامها، ونهضت قبائل مأرب بشجاعة تاريخية ونصبت أعمدة خيامها وأقامت المطارح التي كانت حينها هي الدولة ومؤسساتها، وهي السلطات كلها، وهي السد المنيع والحصن الحصين.
حاربت مأرب كما ينبغي لها، وانتصرت للجمهورية، للدولة، لليمن أرضا وانسانا.
لكن مأرب لا تزال تخوض “الحرب الممنهجة”، وقد حققت انجازات تاريخية ووطنية خالدة، ورغم المكاسب العظيمة والتحول الكبير الذي صنعته التضحيات، إلا أن مارب لا تزال تلك الصفحة المقتضبة والسطور القصيرة والارقام المحدودة في كتاب موازنات الدولة واهتمامات المؤسسات الرسمية العليا، لم يغادر توصيفها مخيلة المنظومة العامة، تحاصر مارب في مربعها كما كانت عام ٢٠١٤م.
في لقاء عام مع الشيخ سلطان العرادة فبل ثلاثة اعوام، جمع الصحفيين والنشطاء وغيرهم من شرائح المجتمع، تحدث عن أزمة الكهرباء، وعن الجهود الاستثنائية وربما شبه المستحيلة التي بذلها مهندسين يمنيين لترقيع محولات الكهرباء، كانت اشبه بصناعة جديدة من الصفر وتجميع للقطع من هنا وهناك، او هندسة عكسية تستطيع قول ذلك، باعتبار أن المحولات فعليا كانت قد خرجت عن الخدمة عام ٢٠١٥م وانتهى عمرها الافتراضي، بحسب الوثائق التابعة للشركة المصنعة، لكن الاصرار والعزيمة تحدت كل الظروف ونجحت في ترميم بعض القطع ما مكنها من العمل نحو عقد من الزمن رغم حالتها المستحيلة.
العرادة كشف عن بعض التحديات التي تواجه السلطة المحلية في مأرب، لكنه قال أن أكثر ما يشغل باله وتعتبر مهام طارئة وأولويات قصوى أمرين: هزيمة الحوثي وشبكة الصرف الصحي، ثم استدرك، باخلاق الكبار قائلا: لم اتعمد الربط والمقارنة حاشا لله، فنحن لا نبتذل القول، ولكن المجاري تهدد المدينة وتعتبر من اكبر التحديات، كما أن تحدي استعادة الدولة مسؤولية وطنية ورأس الاولويات.
بين الفينة والاخرى تصل وفود ولجان إلى مأرب، وتخرج بعض التصريحات من هنا وهناك بعضها فيه من الغمز واللمز ما نفهم مغزاة، ناهيك عن حملات الشيطنة والدعاية السوداء التي تعرضت لها مارب طوال السنوات العشر، في الوقت الذي لا تزال فيها الدماء طرية ومقبرة الشهداء تستقبل ابطالها الكرام بشكل يومي.
والسؤال هنا: ألم تحن لحظة المكاشفة والمصارحة والشفافية، للحديث عن استحقاقات مأرب والتعامل مع التضحيات والمواقف التاريخية والاستثنائية بما يليق بمكانتها وحاضرها وحضورها ونضال ابطالها؟!
لماذا لا تصدر المؤسسات الرسمية للدولة والسيادية قانونا ينصف هذه الجغرافيا ويضعها في قلب الاهتمام وعلى رأس الاولويات؟!
مؤسف ومخجل ما يتم من ممارسات وسلوكيات وتغييرات وتعيينات واعادة ترتيب كما تصفها بعض دوائر القرار، تستثني مأرب او غيرها من الرقعة الجغرافية التي كانت ولا تزال السد المنيع والحصن الحصين للدولة ومركزها القانوني!.
اذا كان البعض لديه عمى في الرؤية، أو يمتلك ذاكرة أسماك قصيرة، أو يعاني من عقدة النقص أمام التضحيات العظيمة، فلا ينبغي القبول بالقفز على القيم النضالية او تأطير التضحيات أو تجاهل المواقف التأسيسية والجذور الراسية والسواد الأعظم من الشعب الذي صنع المعجزات وقاد التحولات وكان الوطن الأم حين تساقطت القلاع.



