
مكة هذه المرة لا تستقبل المعتمرين وحدهم .. تستقبل الساسة أيضاً .. وتحتضن اتفاقاً لا يشبه بقية الاتفاقات و يحمل دلالات تتجاوز حدود الدول الموقعة عليه .. ثلاث دول تلتقي عند عتبة الحرم الشريف في يوم الجمعة السابع من أغسطس 2026م لتوقيع اتفاق دفاع مشترك بين السعودية وتركيا وباكستان ، يقوم على فكرة أن الاعتداء المسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على الجميع ، بما يعزز مفهوم الردع المشترك والتعاون الدفاعي .
ثلاث دول لا يجمعها التطابق في الرؤى والسياسات ، لكنها تلتقي عند المصالح ، وعند الحاجة إلى بناء خيارات أوسع في عالم تتغير فيه التحالفات أسرع مما تتغير الخرائط.. وثلاثة اتجاهات جغرافية تتقاطع فوق ورقة واحدة.. دفاع مشترك.. أمن مشترك.. ومصير لا يريد أن يبقى رهينة لحسابات الآخرين.
في مكة .. حيث تتجه الوجوه من كل الجهات إلى قبلة واحدة .. جاءت السياسة بثلاثة وجوه مختلفة لتبحث عن معادلة واحدة .. الطاقة والنووي والقوة العسكرية كلها تحت سقفٍ واحد .. الرياض وأنقرة وإسلام آباد السعودية بوزنها الاقتصادي والجغرافي والديني .. تركيا بجيشها وصناعتها الدفاعية وموقعها بين الشرق والغرب .. وباكستان بثقلها العسكري وخبرتها الاستراتيجية ..
وهنا تحديداً تكمن أهمية اتفاق مكه !.. فهو ليس حدثاً سياسياً عادياً .. وليس مجرد صورة جماعية لثلاثة زعماء يتصافحون أمام عدسات الكاميرات .. وليس ورقة أخرى تضاف إلى أرشيف البيانات الرسمية .. هنا شيء مختلف !! لأن الرياض لا تبدو وكأنها توقع اتفاقاً فقط !.. تبدو وكأنها تختبر فكرة جديدة في الأمن الإقليمي.. أن تصبح كلفة الاعتداء على دولة أكبر من حدودها.. وأن لا يبقى أمن الخليج منفصلاً عن أمن الأناضول وبلاد السند .. وأن من يريد أن يحمي مصالحه في عالم ٍمتغير .. عليه أولاً أن يمتلك شجاعة بناء تحالفاته بنفسه .
ذلك هو المعنى الذي أراه خلف اتفاق مكة !
ولذلك استوقفني الاتفاق على نحوٍ خاص ، وأسعدني أكثر مما يفعل خبر سياسي عابر .. لأنني رأيت مملكة الحزم والعزم وهي تمسك زمام المبادرة في لحظة عالمية شديدة التعقيد .. لا لأني أكتب عن السعودية الجديدة بدلاً من اليمن السعيد ، ولا لأنني تحولت فجأة إلى كاتب في الشأن الدولي .. وإنما لأن الصحفي ، مهما حاول أن يحصر قلمه في حدود بلاده ، لا يستطيع أن يعزلها عن محيطها .. ولا أن يتجاهل أي تحولات يمكن أن تعيد ترتيب موازين القوة في المنطقة .. فنحن في اليمن نعرف جيداً ماذا يعني أن تختل موازين القوة..ونعرف ماذا يعني أن يصبح صاحب الحق بحاجة إلى كثير من القوة كي يسمع العالم صوته .. ولهذا ربما وجدت نفسي هذه المرة أكتب عن (اتفاق مكة) ! ، لأن ما يحدث هناك لا يتعلق بالسعودية وحدها ، بل بمشهد إقليمي ودولي قد تكون له انعكاساته على اليمن والمنطقة بأسرها .
أما قبل !..أتذكر هنا حلف الفضول.
ليس باعتباره نسخة تاريخية من ( اتفاق مكة )، ولا باعتبار أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً ، وإنما باعتباره فكرة رمزية ارتبطت بالوقوف في وجه تغول القوة .. فالتاريخ يعرف جيداً أن المشكلة لا تبدأ حين يمتلك طرف ما القوة ، وإنما حين يتحول فائض القوة إلى وسيلة لفرض الإرادة ، وحين يصبح القوي هو من يحدد الحق والباطل لمجرد أنه الأقوى .. فالظلم الذي ارتبط ب«العاص بن وائل السهمي» الرجل القرشي الذي عرفه التاريخ باسمه وشخصه لم يعد رجلاً واحداً ، هو الرمز القابل للتكرار بأسماء وأشكال ودول ومؤسسات .. قد يصبح دولة..وقد يصبح مراكز قوى .. وقد يصبح منظومة مصالح .. وقد يصبح خطاباً سياسياً يرى أن القوي يملك الحق لأنه قوي .
ومن هنا تأتي قيمة الردع !
فالتحالفات الدفاعية ، في أفضل صورها ، لا تكون من أجل انتزاع حقوق الآخرين ، وإنما من أجل منع انتزاع الحقوق بالقوة .. ولا تكون غايتها بالضرورة صناعة الحرب ، وإنما منع الآخرين من التفكير بأن الحرب خيارٌ سهل أو قليل التكلفة .
وهذا هو الفارق !
لفت انتباهي ردود الأفعال في الصحافة العالمية وركزت على ما نشرته عينة من وسائل إعلام إقليمية ودولية .. وكان القلق سيد الموقف في بعض التغطيات الإعلامية والتحليلات السياسية لدى بعض الدول التي كانت تراقب بحذر التقارب الثلاثي الذي تحول إلى اتفاقية دفاع مشترك ، وهناك منهم من لا يزال ينظر بقلقٍ شديد إلى أي ترتيبات عسكرية تجمع السعودية بأي قوى إقليمية مؤثرة ، غير أن التعامل مع ( اتفاق مكة ) أنه قد يكون موجهاً ضد أحد ، هو تبسيطٌ مخلٌ بالمشهد ، فالسعودية نفسها تبنت خلال السنوات الماضية سياسة أكثر انفتاحاً على الحوار الإقليمي والدولي ، وأدركت أن أمن الخليج لا يمكن أن يقوم على منطق المواجهة ، ولذلك قد يكون الهدف الأساسي من الاتفاق هو رفع كلفة أي اعتداء محتمل أكثر من كونه استعداد لمواجهة عسكرية قادمة !.ففي علم السياسة .. الردع الناجح هو الذي يمنع الحرب قبل أن تبدأ !!
يصف آخرون الاتفاق بأنه ( ناتو إسلامي ) لكن هذا الوصف سابق لأوانه ! ذلك أن حلف شمال الأطلسي (الناتو ) ليس مجرد اتفاق للدفاع المشترك ، بل منظومة سياسية وعسكرية وأمنية متكاملة لها مؤسسات وهيكل قيادة وآليات عمل تراكمت على مدى عقود ، اما (اتفاق مكة) فما زال في بداياته ، ولذلك فإن قيمته الحقيقية لن تحددها العناوين الكبيرة ، وإنما ما ستبنيه الدول الثلاث بعد التوقيع !.
بالطبع .. فقد طوّر الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية الشقيقية رؤىً مغايرة للتصورات المختلفة ، وأصبح قائداً عربياً ومهندساً لرؤية سعودية جديدة .. لذا ، لا يمكن تفسير ما يحدث سوى كونه انعكاس لفلسفة الأمير محمد بن سلمان السياسية وهو قصة النجاح التي ظهرت خلال الفترة الماضية ، ومن رؤية 2030 بدأت الحكاية !.
فرؤية المملكة المعلنة لا تبدو مشروعاً اقتصادياً منفصلاً عن السياسة .. ولا تنمية داخلية معزولة عن الجغرافيا.. إنها عمل متواصل لبناء دولة تمتلك أكثر من مصدر للقوة.. اقتصاداً متنوعاً.. صناعة دفاعية متطورة.. حضوراً دبلوماسياً واسعاً.. استثمارات عابرة للحدود..
السعودية تعمل على أن تكون في المقدمة قوية اقتصادياً .. مؤثرة سياسياً .. متقدمة تكنولوجياً .. وهذا هو جوهر التحول الحقيقي!! .. أن تتحول الرؤية من وثيقة إلى قوة .. ومن الأهداف إلى نفوذ .. ومن المشاريع إلى حضور يصعب تجاوزه في حسابات الإقليم والعالم.
فالقوة السعودية الجديدة لا تقوم على النفط وحده ، ولا على الإنفاق العسكري وحده ، وإنما على بناء منظومة متكاملة تجمع الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية والسياحة واللوجستيات والموقع الجغرافي ، وحين تتحول المملكة إلى مركز للاستثمار والتجارة والطاقة والتكنولوجيا ، فإن علاقاتها الدولية تتحول تلقائياً من علاقات سياسية تقليدية إلى مصالح متشابكة يصعب فصل بعضها عن بعض ، وهذا تحديداً ما يمنح «رؤية 2030» بعدها الجيوسياسي ، وحين تجمع السعودية بين نقاط قوتها الأساسية .. وبين شراكاتها الدفاعية والاستثمارية والتكنولوجية .. فإنها لا تبني تحالفات من أجل التحالفات .. وإنما تبني أدوات تأثير على المدى القريب والمتوسط والبعيد !.
كما ينبغي أن نعرف بحسب قراءتي المتواضعة أن السعودية لا تبدو في وارد استبدال محور بمحور ، بقدر ما تعمل على تجاوز فكرة المحاور ذاتها .. فالمعادلة الجديدة التي تتبناها الرياض تقوم على تنويع الشركاء ، وتعدد الخيارات ، وربط كل علاقة بمصالح محددة قابلة للتطوير .. تجمع وتوازن وتفاوض وتبني لتصنع لنفسها مساحة أوسع من الحركة والتأثير !
ولا تريد في الوقت ذاته أن تختار دائماً بين الشرق والغرب.. تريد أن تتحدث مع الشرق والغرب من موقع الدولة التي تملك خياراتها.
وهنا ربما تكمن قصة اتفاق مكة كلها !.
أما بعد ! .. فالرسالة السياسية واضحة .
من مكة بدأت الرسالة .. ليست رسالة حرب.. بل رسالة حساب !.
من يفكر في الاعتداء عليه أن يحسب الرياض .. وأن يحسب أنقرة .. وأن يحسب إسلام آباد .. ثلاثة حسابات بدلاً من حساب واحد .. ثلاثة جيوش .. ثلاثة اقتصادات .. ثلاث جغرافيات.. وثلاثة مستويات من المصالح المتشابكة .. وهكذا يتحول التحالف من مجرد ورقة دفاعية إلى معادلة ردع !! .
السعودية التي كانت تُقرأ طويلاً من خلال تحالفاتها التقليدية .. تتحرك اليوم في أكثر من اتجاه .. في لحظةٍ فارقة يتغير فيها العالم.. القوة لم تعد بندقية فقط .. والاقتصاد لم يعد سوقاً .. والطاقة لم تعد سلعة .. والتكنولوجيا لم تعد رفاهية.. كل شيء أصبح جزءاً من الأمن القومي .. وكل شراكة اقتصادية يمكن أن تصبح ذات يوم رافعة سياسية .. وكل تعاون دفاعي يمكن أن يتحول إلى شبكة ردع.
وهذا بالضبط ما يجعل اتفاق مكة مهماً.
السعودية تعرف ذلك جيداً .. هي تريد أن تراه هكذا !
لقد تغيرت الرياض كثيرًا..
أو لعل العالم هو الذي تغير .. والسعودية أدركت مبكراً أن البقاء على خرائط الأمس يعني أن تستيقظ غداً وتجد أن العالم قد رسم خريطته من دونك .
لذلك تتحرك الرياض خطوة وراء خطوة.. لا تقفز فوق العالم .. لكنها لا تنتظر العالم أيضاً !. تسابق الزمن ، توسع الرؤية ، تفتح الأبواب ، تعيد بناء الشراكات وترتيب العلاقات .. من الشراكات السياسية والاقتصادية .. إلى التعاون الأمني والدفاع المشترك .. من البحر إلى البر .. تفتح الشرق ولا تغلق الغرب.. تقترب من الصين ولا تنسحب من الولايات المتحدة..تتعاون مع تركيا وباكستان ولا تعلن مواجهة مع أحد..وفي هذا السياق يمكن قراءة اتفاق مكة باعتباره حلقة جديدة في مسار أوسع: بناء خيارات أمنية وسياسية واقتصادية متعددة .. وتقول من دون حاجة إلى كثير من الضجيج : لدينا خياراتنا ..وهذه وحدها قوة .. أن تكون لديك خيارات حين يضيق العالم ..أن تستطيع أن تقول «نعم» لشريك من دون أن تكون مضطراً إلى قول «لا» للجميع !..أن تتحول من دولة لا تكتفي بقراءة خرائط الآخرين إلى دولة تمتلك القدرة على رسم الخرائط والمصالح والمسارات ! .
لكن السؤال الذي يقف خلف الاتفاق أكبر من الاتفاق نفسه: هل نحن أمام تحالفٍ عابرٍ للظرف السياسي الراهن ، أم أن هذا الاتفاق يمثل النواة الأولى لتشكيل منظومة جديدة يمكن أن تعيد رسم التعاون الدفاعي والأمن الإقليمي أو تعيد تشكيل ملامح التحالفات الدولية ؟!
لا أحد يستطيع أن يقدم الإجابة الآن ، الجواب لن تصنعه البيانات.. تصنعه الأيام..فالتحالفات لا تُقاس فقط بما تعلنه عند ولادتها ، وإنما بما تستطيع أن تفعله بعد ذلك !
بالطبع .. الدول الكبيرة لا تقاس فقط بما تمتلكه من ثروات أو جيوش .. وإنما بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى نفوذ .. وتحويل النفوذ إلى شراكات .. وتحويل الشراكات إلى ترتيبات جديدة ، وهذا ما تعمل الرياض عليه .. ولذلك قد لا يكون السؤال الصحيح بعد اتفاق مكة : من المستهدف؟
السؤال الأصح: ما الذي تريد السعودية أن تبنيه ؟ فإذا كان الجواب هو منظومة أوسع من الشراكات والردع والتوازنات.. فإن اتفاق مكة لن يكون نهاية قصة .. وإنما بداية فصل جديد !!
علي الغليسي- السكرتير الصحفي لنائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي محافظ مارب سلطان العرادة

