
لا تكمن أهمية التطورات الأخيرة في اليمن في ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية، بل في تزامن مجموعة من الوقائع التي تشير إلى تغير تدريجي في طبيعة الصراع. فقصف الحوثيين لمعسكرات القوات الحكومية، واستمرار استهداف الملاحة في البحر الأحمر، والتحرك السعودي نحو إطار بحري متعدد الجنسيات، وتعيين قائم بالأعمال أمريكي جديد بمهام يغلب عليها الطابع الأمني، ليست أحداثًا منفصلة، وإنما مؤشرات ينبغي قراءتها ضمن سياق واحد. والسؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستتوسع، بل ما إذا كانت المنطقة تدخل مرحلة جديدة يعاد فيها تعريف وظيفة اليمن في معادلة الأمن الإقليمي.
المؤشر الأول يتمثل في الهجوم الحوثي الواسع الذي استهدف معسكرات للقوات الحكومية في منطقة العبر، وما تبعه من إعلان المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، أن العملية استهدفت قوات سعودية ويمنية كانت تتحشد لشن هجوم على الجماعة، وهو تبرير يكشف عن الرسالة التي أراد الحوثيون إيصالها، أن الجماعة ستتعامل مع أي استعدادات عسكرية على أنها تهديد مباشر يستوجب الضرب قبل بدء الهجوم.
واستهداف القوات الحكومية لا يمثل تحولا في قواعد الاشتباك ، فالحوثيون لم يكتفوا بالردع البحري أو بالرد على العمليات العسكرية، بل يسعون إلى فرض معادلة ردع استباقي تمنع الحكومة الشرعية وحلفاءها من الانتقال إلى أي عمل بري واسع ، وبذلك تتحول الضربة العسكرية من مجرد استهداف لمعسكر إلى رسالة استراتيجية موجهة للحكومة والسعودية معا.
لكن هذا المؤشر لا يكتمل إلا بمراقبة رد الحكومة ، فإذا اقتصر الرد على بيانات الإدانة وإعلان الحداد وفتح لجان تحقيق، فسيقرأ الحوثيون ذلك باعتباره نجاحا في تثبيت معادلة الردع الجديدة، أما إذا أعقب الهجوم إعادة تنظيم للقوات، وتعزيز للدفاعات، ورفع مستوى الجاهزية، واستمرار التحركات العسكرية، فسيكون معنى ذلك أن الضربة لم تنجح في تعطيل خيارات الحكومة وشركائها.
المؤشر الثاني يتمثل في استمرار انتقال الصراع إلى البحر الأحمر، فقد شهدت الأيام الماضية استهداف ناقلات مرتبطة بالسعودية، إلى جانب حادثة السفينة الهندية، وهو ما يعني أن التهديد لم يعد موجهاً إلى السعودية وحدها، بل أصبح يمس مصالح دول ترتبط تجارتها وأمنها البحري بهذا الممر الحيوي.
ولا تكمن أهمية هذه العمليات في حجم الأضرار التي أحدثتها، وإنما في الرسالة التي تحملها ، فالحوثيون يسعون إلى رفع كلفة أي مواجهة معهم، عبر تحويل البحر الأحمر إلى ساحة ضغط على الاقتصاد العالمي، وليس فقط على خصومهم داخل اليمن ، وكلما اتسعت دائرة الدول المتأثرة، ازدادت قدرة الجماعة على فرض نفسها طرفا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص أمن الملاحة.
المؤشر الثالث يتمثل في التحرك السعودي لتأسيس إطار بحري متعدد الجنسيات لحماية البحر الأحمر، ورغم أن المشروع لا يزال في طور التأسيس، فإن دلالته السياسية تتجاوز طبيعته العسكرية ، فالسعودية لم تعد تنظر إلى التهديد الحوثي باعتباره شأنا ثنائيا، بل باعتباره قضية تمس الأمن الجماعي للدول المستفيدة من البحر الأحمر وباب المندب.
ويكشف هذا التحول عن تغير في الاستراتيجية السعودية ، فمنذ بداية الحرب عام 2015، ارتبط الخطاب السعودي باستعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب، أما اليوم، فتبدو الأولوية العملية أكثر ارتباطا بحماية الحدود، وأمن الطاقة، وسلامة الملاحة، وتقليل المخاطر المباشرة على الأمن القومي السعودي.
ولا يعني ذلك تخلي الرياض عن دعم الحكومة اليمنية، لكن يعني أن استعادة الدولة اصبح مرتبطا بحماية المصالح الحيوية لطاقة وسلاسل الامداد للعالم ظل التصعيد البحري والإقليمي.
المؤشر الرابع يتمثل في القرار الأمريكي بالإبقاء على إدارة البعثة الدبلوماسية في اليمن من خلال قائم بالأعمال، بالتزامن مع تركيز الخطاب الرسمي على أمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وحماية الشركاء. ولا ينبغي المبالغة في تفسير عدم تعيين سفير، فالقائم بالأعمال يمثل البعثة بصورة قانونية، لكن طبيعة المهام التي أعلنتها واشنطن تكشف بوضوح أن الملف اليمني يُدار حاليا من زاوية أمنية أكثر منه من زاوية سياسية.
وتنسجم هذه المقاربة مع التحركات الأمريكية في البحر الأحمر، ومع أولوية حماية الملاحة ومنع توسع النفوذ الإيراني. ولذلك تبدو الولايات المتحدة أكثر اهتمامًا بإدارة مصادر التهديد القادمة من اليمن، من اهتمامها بإطلاق مبادرة سياسية شاملة لإعادة بناء الدولة أو معالجة الانقسام الداخلي.
أما المؤشر الخامس، فيتعلق بالحكومة اليمنية نفسها ، ولا تشير الوقائع إلى تعدد القرار السياسي أو انقسام القرار العسكري، بقدر ما تشير إلى استمرار التنافس بين بعض القوى السياسية على التعيينات والمناصب والنفوذ، وهو ما ينعكس على سرعة اتخاذ القرار وكفاءة التنفيذ.
وفي ظل التصعيد الحالي، لن يكون معيار الحكم على الحكومة هو عدد البيانات الصادرة عنها، وإنما قدرتها على تحويل الصدمة العسكرية إلى مراجعة عملية تشمل حماية المعسكرات، وتحسين منظومات الإنذار، ورفع مستوى التنسيق، ومعالجة أوجه القصور التي كشفتها الضربات الأخيرة. فإذا نجحت في ذلك، فقد يتحول الهجوم الحوثي إلى فرصة لإعادة تنظيم الأداء العسكري. أما إذا بقيت الخلافات الداخلية هي الأولوية، فإن الجماعة ستكون قد حققت مكسبًا يتجاوز نتائج الضربة نفسها.
وعند جمع هذه المؤشرات، يتضح أن اليمن لم يعد مجرد ساحة حرب أهلية، بل أصبح نقطة التقاء لثلاثة مسارات متوازية: صراع داخلي على السلطة، ومواجهة إقليمية مع إيران، وتنافس دولي على أمن الممرات البحرية. وهذا يعني أن مستقبل الأزمة لن يتحدد فقط داخل الجبهات اليمنية، وإنما أيضًا في العواصم الإقليمية والدولية التي تعيد رسم أولوياتها الأمنية.
لكن هذا التحول يحمل مفارقة واضحة ، فكلما ازدادت أهمية اليمن في الحسابات الإقليمية، تراجعت أولوية إعادة بناء الدولة اليمنية نفسها. فالجهد الدولي يتركز بصورة متزايدة على منع التهديدات التي تصدر من اليمن، أكثر من تركيزه على معالجة الأسباب التي أنتجت هذه التهديدات، وفي مقدمتها ضعف الدولة، والانقسام المؤسسي، والانهيار الاقتصادي.
وبناء على المؤشرات الحالية، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار سياسة الاحتواء المسلح ، أي استمرار الضربات المحدودة، والردود العسكرية المحسوبة، وتعزيز الوجود البحري، من دون انتقال إلى حرب برية واسعة ، أما السيناريو الثاني فيتمثل في محاولة تعديل ميزان القوى إذا استمرت الهجمات الحوثية وارتفع مستوى التنسيق بين الحكومة والسعودية. بينما يظل سيناريو التهدئة مرتبطًا بتفاهمات إقليمية أوسع، تتجاوز الساحة اليمنية إلى العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويبقى المؤشر الحاسم الذي سيحدد اتجاه المرحلة المقبلة هو طبيعة رد الحكومة اليمنية وشركائها على الهجوم الأخير. فإذا أدى الهجوم إلى تجميد التحركات العسكرية، فسيكون الحوثيون قد نجحوا في فرض معادلة ردع جديدة. أما إذا تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة تنظيم القوات، وتعزيز التنسيق، ورفع الجاهزية، فستكون الجماعة قد فتحت، من حيث لا تريد، مرحلة مختلفة قد تعيد تشكيل ميزان القوى.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يتجه اليمن إلى الحرب أم إلى السلام؟ بل: أي طرف سيتمكن من فرض قواعد الاشتباك الجديدة؟ فالمؤشرات الحالية لا تدل على نهاية الصراع، وإنما على انتقاله إلى مرحلة تختلف فيها أدوات الضغط، وتتداخل فيها الجبهة اليمنية مع معادلات الأمن الإقليمي أكثر من أي وقت مضى.



