
لعل أزمة الطائرة الإيرانية (ماهان إير) كانت هي المرة الأولى التي تقرر فيها إيران الدخول بكل هذا الكم من الخشونة والوضوح والجرأة والاستفزاز المباشر على خط الأزمة اليمنية.
فقد كانت دوما ومنذ الحرب الأولى عام 2004، تحرص على العمل من الخلف عبر عدة أغطية سياسية ودبلوماسية واقتصادية وحتى صحية، وتتجنب الظهور المباشر قدر الإمكان من خلال عناصرها في أي مشهد عسكري أو ما شابه إلا اضطرارا، رغم أنها تجاهر إعلاميا وبلا تردد في مساندتها للحوثيين منذ حربهم الأولى ضد الحكومة عام 2004، وحتى تحولهم لسلطة أمر واقع منذ إعلانهم الدستوري الانقلابي في فبراير/شباط 2015، في صنعاء، وما يقع تحت يدهم من محافظات، واعترافها- أي إيران- وحدها دون أي دولة أخرى في العالم بهذه السلطة، وتعيين سفير لها في صنعاء.
ذلك أنها لسبب أو لآخر كانت تكتفي بالدعم اللوجيستي والنفطي والمالي وإرسال الخبراء دون إعلان رسمي أو مجاهرة بذلك؛ حرصا على تخفيف حدة التوتر السياسي مع جيرانها في دول مجلس التعاون الخليجي، إلى درجة أنها نسبت اعتداءاتها العسكرية على منشآت “أرامكو” السعودية في بقيق وخريص عام 2019 إلى الحوثيين.
كما أنها قدمت دعما لوجيستيا كبيرا للحوثيين خلال معارك مأرب الشهيرة بين عامي 2020 و2022، بشكل غير معلن، في الوقت الذي كانت فيه تستقبل باستمرار المبعوث الأممي السابق لليمن (مارتن جريفيث)، وتقول إنها تدعم جهوده لإحلال السلام، ووقف الحرب في اليمن.
نقطة الصفر
وبعد فشل خطة إسقاط مأرب أبدت دعمها للهدنة التي أعلنت في أبريل/ نيسان 2022 بموجب مشروع السلام السعودي المعروف بخارطة الطريق، وعززت هذا الموقف لاحقا باتفاق بكين الشهير مع المملكة العربية السعودية في مارس/ آذار 2023، والذي اعتبره المراقبون خطوة هامة على طريق إنهاء الحرب في اليمن، وإنجاز السلام.
قبل أن تعود الأوضاع إلى نقطة الصفر مع اندلاع طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ودخول أذرع إيران مباشرة في المواجهات، مع حرصها- أي إيران- في البداية على تجنب أي مشاركة مباشرة في الأعمال العسكرية، حتى سارت الأحداث وتطورت كما هو معروف إلى هذه اللحظة لتجد نفسها لأول مرة منذ حربها مع العراق (1980-1988) تخوض حربا حقيقية ومباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بعد سنوات طويلة من الحروب بالوكالة وعبر التفجيرات والعمل الاستخباري.
يعرف العالم كله حجم الدعم الإيراني السخي السياسي والمعنوي والعسكري للحوثيين وبقية أطراف محور المقاومة كحزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي ونظام الأسد السابق، لكن إيران اختارت هذه المرة كدولة وسلطة ونظام، الدخول على خط الأزمة اليمنية بشكل مباشر وعلني وصدامي غير مسبوق عن طريق تسيير رحلة لإحدى شركاتها الجوية الخاضعة لعقوبات دولية وهي شركة (ماهان إير) إلى مطار صنعاء دون إذن من الحكومة الشرعية وقيادة التحالف العربي؛ بحجة نقل وفد من جماعة الحوثي إلى طهران للمشاركة في مراسم تشييع جثمان المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، ومن ثم إعادة الوفد إلى صنعاء.
وكان يمكن لطهران أن تقوم بذلك بطرق أخرى سياسية ودبلوماسية وتنجزه بكل أريحية عن طريق تفاهمات مع دول كالمملكة العربية السعودية أو سلطنة عمان لديها خطوط تواصل مع الحكومة الشرعية اليمنية المعترف بها دوليا بالطلب إليها إرسال طائرة عمانية- على سبيل المثال- إلى مطار صنعاء لنقل الوفد الحوثي وإعادته، وكان يمكن أن يتم ذلك بكل بساطة وأريحية ودون ضجيج أو مزايدات أو شعارات.
ومثل هذا الطلب سيحظى قطعا بموافقة الحكومة اليمنية وقيادة التحالف العربي، خاصة أن الوضع في المنطقة في الأيام الأولى للتشييع وما سبقها كان يتسم بالهدوء السياسي والعسكري باتفاق أمريكي إيراني؛ لإتاحة أجواء مناسبة لمراسم تشييع المرشد وأفراد أسرته، وقد لاحظنا أن كثيرا من دول المنطقة والعالم بعثت ممثليها للمشاركة في تلك المراسم؛ حرصا على إبداء المزيد من حسن النوايا، وتعزيز حالة التهدئة، وتشجيع إيران على سد ذرائع العودة للمواجهات المسلحة.
ردود أفعال هادئة
والمؤكد أن طهران اختارت هذا التصعيد ودخول خط المواجهة كنوع من إعلان الحضور المباشر في الملف اليمني بوضوح وصراحة، والتأكيد على أنها قادرة على توسيع ساحة معركتها مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول المنطقة إلى جنوب غرب الجزيرة العربية، وباب المندب على قاعدة أنه لم يعد لديها ما تخسره.
ويبدو أنها كانت تتوقع ردود فعل حادة وعنيفة من الحكومة اليمنية وقيادة التحالف العربي قد تصل إلى حد إسقاط الطائرة، حيث ستعتبر ذلك لو حدث ليس فقط إعلان حرب ضد الحوثيين بل إعلان حرب ضد إيران نفسها كون الطائرة إيرانية.
غير أنها تفاجأت بمستوى رصين ومسؤول من ردود الأفعال هدفت إلى سحب البساط من تحت قدميها وعدم الانجرار لمعركة لم تختر الحكومة اليمنية ولا حلفاؤها في التحالف العربي زمانها ومكانها، ناهيك عما كان يمكن أن يحدث من ردود فعل سلبية عالميا على إسقاط طائرة تحمل- في الظاهر- وفدا سياسيا مدنيا.
وقد كان بيان الرئيس اليمني رشاد العليمي واضحا في هذا الجانب بإعلان الحرص على عدم استهداف أرواح اليمنيين أو الإضرار بالأعيان المدنية، وعدم الانجرار لردود فعل غير محسوبة، وبالتالي إتاحة المجال لطي صفحة هذه الأزمة الطارئة مع التأكيد على أن تكرار مثل هذا الاستفزاز لن يمر بسلام، وأيضا إتاحة الفرصة مجددا للمبعوث الأممي لبذل مساع جديدة وجدية لاستكمال تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى من ناحية، وبحث إمكانية إعادة الحياة لمشروع خارطة الطريق الذي أصبحت المعوقات أمامه أكبر من أن يمكن التغاضي عنها أو تجاوزها.
ومع عودة القصف الأمريكي الكثيف على إيران خلال الأيام الماضية وردود فعلها العنيفة تجاه عدد من دول المنطقة؛ بسبب إصرارها على السيطرة بالقوة على حركة المرور في مضيق هرمز، لا يمكن استبعاد احتمالات العودة وبقوة لتفعيل الصراع العسكري في اليمن والتدخل الإيراني المباشر بعدة وسائل بما فيها تحريك المواجهات في الجبهات الداخلية واستهداف المملكة العربية السعودية، ومحاولة السيطرة المباشرة على باب المندب والتضييق على حركة الملاحة في البحر الأحمر.
فكلما زاد الضغط على إيران بحثت عن متنفسات من خلال حلفائها في اليمن، والعراق، ولبنان، لتجعل المنطقة كلها تدفع الثمن من أمنها واستقرارها ومواردها وسلامة أراضيها ومواطنيها.
وهنا يأتي السؤال الهام: هل كل من الحكومة الشرعية اليمنية وحركة الحوثي جاهزتان للحسم العسكري؟ أم إن اتفاق سلام قد يكون أقرب؟
توحيد مسرح العمليات العسكرية
سبق لنا في المقال السابق الإشارة لشيء من الرد على مثل هذه التساؤلات التي أرهقت ذهن كل مواطن يمني يحلم بعودة الاستقرار لبلاده، والواضح أن الحركة الحوثية ليست جاهزة لسلام عادل سواء بموجب المرجعيات المتفق عليها دوليا وهي المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني والقرارات الدولية، وبالأساس منها القرار (2216)، أو حتى بموجب الاحتكام لنصوص دستور الجمهورية اليمنية الذي ما زال قائما.
وفي الوقت ذاته ليست في وضع يسمح لها بأي حسم عسكري خاصة مع انشغال حليفتها الأساسية إيران بالدفاع عن نفسها واقتصار رؤيتها- أي إيران- على أن دور الحركة الحوثية المطلوب في هذه المرحلة هو مشاغلة المجتمع الدولي من خلال البحر الأحمر وباب المندب؛ لتخفيف الضغط عنها في مواجهتها التي تؤكد كل المؤشرات أنها لن تنتهي قريبا.
وفي الوقت نفسه فإن الوضع العسكري للحكومة الشرعية يبدو حاليا في حال أفضل بكثير مما كان عليه قبل أربع سنوات؛ إذ سمحت الهدنة منذ عام 2022 بإعادة بناء تشكيلاتها العسكرية وتوحيدها خاصة بعد حسم وتوحيد مسرح العمليات العسكرية في المناطق المحررة خلال شهر/يناير/كانون الثاني الماضي لمصلحة الحكومة الشرعية بدعم كبير ومهم من المملكة العربية السعودية التي قررت إنهاء ازدواجية الرؤية والقرار لدى قيادة التحالف العربي.
واعتبارها أن كل الأطراف السياسية والعسكرية اليمنية المساندة للحكومة الشرعية بمثابة حلفاء للتحالف العربي على امتداد المناطق الخاضعة لسلطة مجلس القيادة الرئاسي الذي يعمل على تجسير الهوة السياسية بين هذه المكونات وتوحيد رؤاها السياسية لمرحلة ما بعد استعادة الدولة وعاصمتها صنعاء.
خط استعادة الدولة
ورغم ذلك كله فما زالت خيارات الحل السلمي هي الأولى والخيار الأفضل لدى القيادتين اليمنية والسعودية، وما زالت هناك رغبة كبيرة بإعطائها المزيد من الوقت، لكنه وقت قد لا يطول كثيرا خاصة مع استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية من جهة، وقرار إيران الدخول الحاد والمباشر لخط الصراع في اليمن من جهة أخرى، وهو قرار سيستمر في تقديري ولن تقبل إيران التراجع عنه، وقد لا يكتفي برحلات طيران مباشرة بل بصور ووسائل أخرى متعددة للتدخل ستتبلور في قادم الأيام.
من هنا لا يمكن التغاضي عن تسريبات (إكسيوس) خلال الأيام الماضية عن مسؤولين أمريكيين بأن الرئيس الأمريكي ترمب التزم لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بدعم أي تحرك عسكري ضد الحوثيين لحسم الموقف في اليمن، وهو موقف هام ومفصلي إن صحت هذه التسريبات.
وليس سرا القول إن الرئيس ترمب أبدى نفس الدعم في بداية ولايته الرئاسية الأولى عام 2017، وهو أمر سمعته بنفسي من الرئيس اليمني الراحل عبدربه منصور هادي في اجتماع بمستشاريه أواخر شهر يناير/كانون الثاني 2017 بعد أيام من تسلم ترمب ولايته الأولى، لكن المجريات السياسية ذهبت خلال ذلك العام وما تلاه باتجاهات أخرى وصلت حد منع الرئيس الراحل من العودة والاستقرار في عدن، وتم إنشاء كيان سياسي مناوئ للشرعية والرئيس ووحدة اليمن.
وكل ذلك بغرض إحباط معركة استعادة الدولة وعاصمتها صنعاء، ودخلت الشرعية منذ ذلك الحين في صراعات بينية واحتاجت لتسع سنوات من البحث عن مخرج حتى تستعيد قرارها ووحدتها بدعم حاسم من المملكة العربية السعودية في يناير/كانون الثاني الماضي، الأمر الذي وضعها على بداية خط استعادة الدولة والأمن والاستقرار.
لذا من المهم الإشارة إلى أنه ورغم صعوبة الخيارات المطروحة بما فيها خيار السلام فإنه ينبغي أن يأخذ مداه كاملا، ويجب بذل كل الجهود الممكنة لإقناع الحركة الحوثية بصوابية هذا الخيار، وأن تنازل اليمنيين لبعضهم البعض ومبدأ حسن الجوار مع بلد جار كبير كالسعودية هو أساس متين لوضع مستقر وآمن وسلام دائم لليمن والمنطقة.
وبقدر إدراك غالبية اليمنيين أن إيران لا يمكن أن تكون حليفا موثوقا ودائما لليمن وأنها ستتخلى عن حلفائها عند أول محطة تحقق وتضمن مصالحها وطموحاتها، فإنهم يدركون كذلك أن مصالحهم قريبة وبعيدة المدى هي في ضمان علاقة راسخة وعميقة مع جيرانهم وأهلهم في الجزيرة العربية التي تجمعهم منذ نشأة هذه الأرض.


