
في اللحظات التي يعاد فيها تشكيل موازين القوى، لا تُقاس مواقف الفاعلين بما يرفعونه من شعارات أكثر مما تقاس بما “يتجنّبون فعله” حين تصبح الكلفة أعلى من القدرة على الاحتمال.
وفي هذه المسافة بين القول والفعل يمكن قراءة سلوك جماعة الحوثي اليوم، وهي تراقب تصاعد التوتر في الإقليم بعين الحذر لا بعين الاندفاع كعادتها.
إيقاع محسوب
منذ التصعيد الأخير في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، برزت الجماعة كجزء من مشهد أوسع يتجاوز الجغرافيا اليمنية. غير أنّ هذا الحضور ظلّ محكوماً بإيقاع محسوب يوازن بين إظهار الانخراط ضمن محور إقليمي، وبين تجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذا التوازن لم يعد خياراً تكتيكياً فحسب، إنما صار ضرورةً وجوديةً تفرضها طبيعة التحوّلات الجارية.
لم تذهب جماعة الحوثي إلى حدّ التهديد الجدّي بإغلاق المضيق، أو استهداف شامل لحركة الملاحة فيه، فمثل هذه الخطوة، وإن كانت ذات أثر كبير، قد تستدعي ردّاً دولياً مباشراً يُخرج الصراع من إطاره الحالي إلى مستوى أكثر خطورةً.
تشير تقارير إلى أنّ البيئة الإقليمية التي استندت إليها الجماعة خلال السنوات الماضية لم تعد كما كانت. فقد تناول تقرير نشرته وكالة رويترز تحولات في طبيعة الردع، مشيراً إلى أنّ الضربات المتبادلة باتت أكثر جرأةً واتساعاً، وأنّ ساحات النفوذ لم تعد بمنأى عن الاستهداف.
كما لفتت تحليلات منشورة في الجزيرة نت، إلى أنّ المرحلة الراهنة تتسم بتآكل هوامش المناورة لدى الفاعلين غير الدولتيين، في ظلّ تصاعد التوتر بين القوى الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، تبدو جماعة الحوثي أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على موقعها ضمن خطاب “المقاومة”، دون أن تدفع كلفة مواجهة مفتوحة قد تنقل المعركة إلى عمق مناطق سيطرتها؟
تصعيد متواضع
الإجابة عن هذا السؤال لم تعد نظريةً، إنما تجلّت بوضوح في المستجدات التي شهدتها الساعات الأخيرة. ففي بيان صدر بالأمس، حرصت الجماعة على رسم سقف منخفض لانخراطها، معلنةً أنّ تدخّلها سيبقى مشروطاً باستخدام البحر الأحمر في العمليات ضد إيران مع التلميح إلى إمكانية استهداف سفن عسكرية أمريكية تمرّ عبر مضيق باب المندب دون توسيع دائرة المواجهة لتشمل إسرائيل أو القواعد الأمريكية في المنطقة.
هذا الخطاب الذي بدا أقرب إلى “إعلان تحفّظ” منه إلى إعلان حرب، عكس إدراكاً واضحاً لحجم المخاطر المرتبطة بأي تصعيد غير محسوب. كما أظهر محاولةً للتموضع في منطقة وسطى عبر مشاركة رمزية تحفظ الانتماء للمحور دون الانخراط في معركة مفتوحة.
لكن هذا التوازن لم يصمد طويلاً.
فمع تصاعد موجة السخرية من محدودية الموقف، عادت الجماعة لتعلن دخولها في المواجهة عبر إطلاق عدد محدود من الصواريخ باتجاه إسرائيل. غير أنّ هذا التحول السريع بدل أن يعزّز صورة الحسم، كشف عن ارتباك واضح في إدارة الموقف، حيث جاء التصعيد متواضعاً من حيث التأثير، وأقرب إلى رد فعل على الضغط الإعلامي منه إلى قرار إستراتيجي محسوب.
فالتناقض بين بيان الأمس وتحرّك اليوم، يسلّط الضوء على جوهر المعضلة التي تواجهها الجماعة؛ فهي لا تستطيع البقاء خارج المشهد دون أن تخسر رصيدها الخطابي ولا تملك في الوقت ذاته القدرة على الانخراط الكامل دون المخاطرة بتبعات قد تكون أكبر من قدرتها على التحمل.
إذا تابعنا تحليلات صادرة عن International Crisis Group، فإنّ الفاعلين المسلّحين غير الدولتيين يميلون في مثل هذه الحالات إلى اعتماد “إستراتيجيات الحد الأدنى من التصعيد”، التي تتيح لهم الحفاظ على الحضور دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تستدعي ردوداً مدمّرة.
لا يبدو الحوثيون أمام لحظة اختيار بقدر ما هم أمام لحظة انكشاف، فالتناقض بين خطابهم المرتفع وسلوكهم المتحفظ لم يعد تفصيلاً عادياً أكثر مما هو مؤشر على حدود القوة الفعلية التي يتحركون ضمنها.
ومع تسارع التحولات في الإقليم تتقلص المساحات الرمادية التي كانت تتيح لها المناورة ويصبح التردّد ذاته موقفاً مكلفاً
لكن، يبدو أنّ هذه الإستراتيجية هشّة كون التصعيد المحدود قد لا يحقق الأثر السياسي المطلوب، وفي الوقت ذاته قد يفتح الباب أمام ردود لا يمكن التحكم بها. كما أنّ الاعتماد على “الرمزية” بدل الفعل المؤثّر قد يضعف تدريجياً من مصداقية الخطاب.
لحظة انكشاف؟
في المقابل، يبرز سؤال جوهري يتعلق بالأدوات التي تملكها الجماعة، ولماذا تتجنب استخدامها في هذا السياق. فمضيق باب المندب الذي يُعدّ أحد أهم الممرّات البحرية في العالم، يمثّل ورقة ضغط إستراتيجيةً قادرةً على التأثير في حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد. وقد أشار تقرير للأمم المتحدة إلى أنّ أيّ اضطراب في هذا الممرّ الحيوي قد يؤدّي إلى تداعيات اقتصادية عالمية واسعة.
وبرغم ذلك، لم تذهب الجماعة إلى حدّ التهديد الجدّي بإغلاق المضيق، أو استهداف شامل لحركة الملاحة فيه، وهو ما يعزّز فرضية أنّ حسابات الكلفة لا تزال تتفوق على اعتبارات التصعيد. فمثل هذه الخطوة، وإن كانت ذات أثر كبير، قد تستدعي ردّاً دولياً مباشراً يُخرج الصراع من إطاره الحالي إلى مستوى أكثر خطورةً.
في ضوء كل ذلك، يبدو أنّ جماعة الحوثي تتحرك داخل هامش ضيّق تحاول من خلاله تحقيق توازن شبه مستحيل عبر الظهور كفاعل منخرط في المواجهة دون أن تتحول إلى ساحة رئيسية لها.
غير أنّ التجربة تشير إلى أنّ مثل هذه المساحات الرمادية لا تدوم طويلاً. فمع تسارع الأحداث تضيق الخيارات وتصبح الجماعات أمام لحظة حسم لا يمكن تأجيلها. وعند تلك النقطة لن يكون السؤال: ماذا تريد الجماعة؟ بل ماذا تستطيع أن تتحمل؟
وفي إقليم يعاد تشكيله على إيقاع القوة لا الخطاب، تبدو الإجابة عن هذا السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وعليه، لا تبدو جماعة الحوثي أمام لحظة اختيار بقدر ما هي أمام لحظة انكشاف. فالتناقض بين خطابها المرتفع وسلوكها المتحفظ لم يعد تفصيلاً عادياً أكثر مما هو مؤشر على حدود القوة الفعلية التي تتحرك ضمنها. ومع تسارع التحولات في الإقليم تتقلص المساحات الرمادية التي كانت تتيح لها المناورة ويصبح التردّد ذاته موقفاً مكلفاً.
ما يجري اليوم يكشف أنّ معادلة “التصعيد دون كلفة” لم تعد قابلةً للاستمرار، وأنّ كلّ خطوة مهما بدت محدودةً باتت محسوبةً ضمن توازنات أوسع لا تملك الجماعة التحكم الكامل فيها.
وفي ظلّ هذا الواقع، يتحول البقاء من نتيجة محتملة إلى معركة تُدار بأدوات أقل صخباً، وأكثر حذراً.”



