المشهد اليمني تحت ضغط الإعلام.. متى تصبح المعلومة خطرًا؟
الكاتب |محمد عمر صحفي مصري _ خبير في الشؤون اليمنية

من يتابع المشهد اليمني في هذه الأيام يدرك أن التعامل مع التطورات يحتاج إلى قدر كبير من الهدوء، فحجم ما ينشر كبير جدا والمعلومات تتدفق من أكثر من اتجاه والروايات أحيانا تتناقض، بينما تظل التطورات على الأرض مفتوحة وقابلة للتغيير.
ومن خلال متابعتي للشأن اليمني أعتقد أن الخطأ الأكبر في مثل هذه الظروف هو التعامل مع كل ما ينشر باعتباره حقيقة مكتملة، أو بناء توقعات حاسمة على تطورات لم تستقر بعد، في اليمن تحديدا كثير من الحسابات يمكن أن تتغير في وقت قصير ولذلك فإن التسرع في قراءة المشهد قد يقود إلى نتائج غير دقيقة.
هناك أيضا مسألة أخرى أرى أنها تحتاج إلى قدر أكبر من الاهتمام وهي طريقة تعامل البعض مع المعلومات الميدانية.
ليس منطقيا أن تتحول كل مواجهة إلى بث مباشر أو أن تصبح تحركات القوات والمواقع والتفاصيل التي تجري على الأرض متاحة للجميع لحظة بلحظة.
بعض الناشطين أو المواطنين الموجودين في مناطق الأحداث قد ينقلون ما يشاهدونه بحسن نية وربما يكون هدفهم توثيق ما يجري وإطلاع الناس عليه لكن حسن النية لا يلغي خطورة بعض المعلومات.
المعلومة الميدانية لها توقيتها وما يمكن نشره بعد انتهاء مواجهة قد لا يكون من المناسب نشره أثناءها، فتصوير موقع أو نقل تحرك أو الحديث عن اتجاه القوات، أو تحديد مكان المواجهة بصورة مباشرة كلها أمور تحتاج إلى تقدير ومسؤولية.
وهنا أرى أن المطلوب هو رفع الوعي خصوصا لدى الناشطين والإعلاميين وكل من يوجد في مناطق المواجهات بأن التغطية لا تعني نقل كل شيء في اللحظة نفسها.
من حق الناس أن تعرف ومن حق الصحفي أن يبحث عن الحقيقة وينقلها، لكن هناك تفاصيل يجب أن تترك للجهات الرسمية المختصة، خصوصا عندما يكون نشرها في وقت معين قد يؤثر على سير العمليات أو يعرض أشخاصا للخطر.
وفي المقابل على الجهات الرسمية أن تدرك أن سرعة إصدار المعلومات الموثوقة أصبحت ضرورة، لأن الفراغ الإعلامي لا يبقى فارغا إذا لم تصل المعلومة من مصدرها، ستأتي روايات أخرى لملء هذا الفراغ وسيتحول الأمر سريعا إلى مساحة واسعة للشائعات والتكهنات.
أما على مستوى القراءة السياسية فأعتقد أن الوقت ما زال مبكرا للحديث عن نتيجة نهائية أو مسار محسوم، فهناك متغيرات كثيرة والمشهد اليمني لا يتحرك في اتجاه واحد وما يحدث في الميدان يرتبط بالسياسةوالسياسة بدورها تتأثر بالميدان.
لذلك، لا أرى أن المهمة الآن هي البحث عن إجابة سريعة لسؤال: «ماذا سيحدث؟» بقدر ما هي محاولة فهم ما يحدث فعلا ومتابعة التفاصيل التي يمكن أن تغير اتجاه المشهد.
في اليمن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة وضوح الصورة وأحيانا يكون التريث في الحكم على الأحداث أكثر مهنية من الإسراع في إطلاق التوقعات.
والأهم أن ندرك جميعا أن هناك فرقا بين نقل الحقيقة وبين كشف تفاصيل قد يكون توقيتها غير مناسب.
الإعلام مسؤولية والمعلومة مسؤولية والوعي بخطورة ما ننشره لا يقل أهمية عن الحرص على سرعة النشر.



