مقالات

ما الذي يخشاه الحوثي في مطارح الريان؟

الكاتب | علي العقيلي

أثار النكف القبلي في مطارح الريان بمحافظة الجوف اهتماماً واسعاً، ليس فقط بسبب حجم المشاركة القبلية، بل أيضاً بسبب طبيعة ردود الفعل الصادرة عن قيادات جماعة الحوثي وخطابها الإعلامي والسياسي خلال الأيام الماضية. فمن خلال متابعة تصريحات قادة الجماعة، ونبرة خطاباتهم، وما رافقها من حملات إعلامية وتحشيد مضاد، يمكن ملاحظة أن هذا التحرك القبلي حظي باهتمام استثنائي، وهو ما يطرح تساؤلاً مهماً: ما الذي يخشاه الحوثيون في مطارح الريان؟

 
ورغم أن النكف القبلي لا يمتلك الإمكانات العسكرية التي تمتلكها الجيوش النظامية، إلا أن تأثيره يتجاوز الجانب العسكري إلى البعد الاجتماعي والسياسي. فالحركات القبلية والشعبية تنبع من البيئة المحلية ذاتها، وهو ما يمنحها دلالة مختلفة، ويجعلها أكثر حساسية بالنسبة لأي سلطة تعتمد على إظهار نفسها باعتبارها صاحبة الحاضنة الشعبية.

 
لكن قد يستغرب البعض كيف عجزت جماعة الحوثي عن احتواء قضية الشيخ حمد بن فدغم، بعد استجارة ميرا صدام به وطلبها نصرته لاستعادة منزلها وممتلكاتها التي تقول إن فارس مناع، القيادي في الجماعة، استولى عليها. فالقضية في أصلها كانت نزاعاً حول أملاك خاصة، وكان بالإمكان احتواؤها مبكراً، إلا أن الجماعة اختارت، الهروب إلى الأمام حتى تحولت إلى نكف قبلي تاريخي نال اهتماماً واسعاً.

 
ويبدو أن الجماعة في بداية الأزمة اعتقدت أن تجاهل القضية أو فرض معالجات من طرف واحد كفيل بإنهائها، لكنها وجدت نفسها أمام نتيجة معاكسة، حيث تحولت القضية من خلاف فردي إلى قضية قبلية، ثم إلى قضية رأي عام، وهو تطور يكشف أن القضايا المحلية قد تصبح أكثر تعقيداً من الملفات الإقليمية إذا ارتبطت بالكرامة والحقوق.

 
وجاءت هذه القضية في وقت كانت الجماعة تعيش حالة من الثقة بالنفس، بعد أن ركزت خطابها على الملفات الإقليمية والدولية، وقدمت نفسها لاعباً مؤثراً في المنطقة، غير أن التجربة اليمنية أثبتت مراراً أن التحديات التي تنشأ داخل المجتمع غالباً ما تكون أشد تأثيراً من الضغوط الخارجية، لأن مصدرها البيئة الاجتماعية نفسها.

 
وهنا يبرز العامل التاريخي الذي قد يفسر جانباً من القلق الذي تبديه الجماعة، فالتاريخ اليمني يكشف أن القبائل لم تكن مجرد مكون اجتماعي، بل كانت في كثير من المراحل عاملاً حاسماً في ترجيح كفة الصراع، وإضعاف سلطات قائمة، بل والإسهام في إسقاطها عندما فقدت تلك السلطات قدرتها على احتواء المجتمع أو المحافظة على التوازنات القبلية.

 
فالإمامة الزيدية، رغم استمرارها قروناً، لم تكن مستقرة بصورة دائمة، بل شهدت عشرات الانتفاضات والصراعات القبلية التي أضعفت نفوذ عدد من الأئمة، وكانت القبائل لاعباً رئيسياً في تغيير موازين القوى، سواء عبر الانحياز لإمام ضد آخر أو بالتمرد على السلطة المركزية عندما شعرت بتنكرها على الأعراف والمصالح القبلية.

 
وعندما اندلعت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، لم يكن نجاح النظام الجمهوري قائماً على المؤسسة العسكرية وحدها، بل لعبت القبائل دوراً محورياً في تثبيت الجمهورية خلال سنوات الحرب، وكانت اللاعب الرئيسي الذي كسر حصار السبعين يوماً على صنعاء، وانقذ الجمهورية في فبراير 1968، وقد كانت النظام الجمهوري في الرمق الأخير، وأصبحت شريكاً أساسياً في رسم المشهد السياسي والعسكري، وهو ما جعل أي سلطة لاحقة تدرك أن تجاهل القبائل أو الدخول في صدام شامل معها يحمل كلفة باهظة.

 
كما أن التجربة اليمنية الحديثة تؤكد أن الأنظمة المتعاقبة، بما فيها نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، حرصت على إدارة العلاقة مع القبائل عبر التوازن والاحتواء والتفاوض، ولم يكن ذلك نابعاً من ضعف الدولة فقط، وإنما من إدراك أن القبيلة تمثل ثقلاً اجتماعياً وسياسياً لا يمكن تجاوزه، وأن أي خلل في هذه العلاقة قد يتحول إلى أزمة تهدد استقرار السلطة نفسها.

 
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم حساسية جماعة الحوثي تجاه النكف القبلي في الريان. فالمسألة لا تتعلق بعدد المقاتلين أو حجم السلاح، وإنما بإمكانية أن يتحول هذا الحراك إلى نموذج يُحتذى في مناطق أخرى، خاصة إذا ارتبط بقضايا الحقوق والكرامة واسترداد المظالم، وهي قضايا تمتلك قدرة كبيرة على استقطاب التأييد داخل المجتمع اليمني.

 
كما أن الجماعة اعتمدت طوال سنوات الحرب على إبراز الحشود الجماهيرية باعتبارها دليلاً على التفاف المجتمع حولها، واستخدمت تلك الصور في خطابها السياسي والإعلامي، لذلك فإن ظهور حشد قبلي واسع يحمل موقفاً مناهضاً لها يمثل تحدياً مباشراً لهذه الرواية، ويمنح خصومها ورقة سياسية وإعلامية مهمة.

 
ويلاحظ أيضاً أن خطاب زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، وما تضمنه من دعوات للاحتشاد الجماهيري، جاء بعد اتساع النكف القبلي في الريان، ومن هنا يمكن الربط بين الحدثين، واعتبار أن الخطاب حمل، في جانب منه، محاولة لمواجهة الأثر النفسي والإعلامي الذي أحدثه ذلك الحراك.

 
وفي المحصلة، فإن ما قد تخشاه جماعة الحوثي في مطارح الريان ليس النكف القبلي بوصفه تجمعاً قبلياً فحسب، بل باعتباره مؤشراً على احتمال تشكل حالة اجتماعية أوسع، فالتاريخ اليمني يبين أن التحولات الكبرى لم تبدأ دائماً من الجبهات العسكرية، بل كثيراً ما انطلقت من تغير المزاج العام، ومن التفاف القبائل حول قضية شعرت أنها تمس الكرامة والحقوق.

 
لذلك عندما تتحول قضية محلية إلى رمز جامع، فإن تأثيرها قد يتجاوز حدود المكان الذي بدأت فيه، وهو ما يجعلها محط اهتمام وقلق لدى أي سلطة تواجه تحديات داخلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى