مقالات

الوساطة القبلية في شرق اليمن: كيف صنعت المجتمعات “سلامها الخاص؟”

بقلم: انتصار القاضي- رئيس مركز الإنذار المبكر لحل النزاعات

لسنوات طويلة، انشغلت النقاشات حول السلام في اليمن بالمفاوضات الرسمية والاتفاقات السياسية، بينما ظلّ ما يحدث على الأرض، خاصة في شرق البلاد، خارج دائرة الضوء. هناك، لم يكن السلام غائبًا بالكامل، بل كان يُصنع يوميًا عبر آليات محلية هادئة، في مقدمتها الوساطة القبلية. ما يمكن توصيفه بـ”السلام الخاص” لا يعني غياب الدولة فحسب، بل يعكس نمطًا من التنظيم الاجتماعي القائم على الشرعية المحلية، والمرونة، والقدرة على الاستجابة السريعة للنزاع، في سياق تراجعت فيه فعالية المؤسسات الرسمية.

القبيلة كبنية تحتية للأمن:-

في شرق اليمن، لم تقتصر القبيلة على كونها إطارًا اجتماعیًا، بل شكّلت منظومة متكاملة لإدارة النزاع. الأعراف القبلية لم تنظّم الخلافات فقط، بل أرست قواعد تحدّ من العنف وتحافظ على الحد الأدنى من التماسك. لقد أسهم العرف في حماية الفئات الأكثر هشاشة، وخلق ما يمكن فهمه على أنه “مساحة استقرار” داخل بيئة شديدة التقلب.

وفي هذه المساحة، برزت النساء كفاعلات في احتواء النزاع وتبريد التوترات المجتمعية عبر مبادرات نوعية. ففي مأرب، نجحت وسيطات محليات في استثمار “الحصانة العرفية” للمرأة للتحرك في مناطق التماس وبناء جسور الحوار بين المجتمعات المحلية والجهات الأمنية، مما أسهم في نزع فتيل مواجهات مسلحة ونزاعات أراضٍ معقدة. أما في حضرموت، فقد اتخذ الدور النسائي طابعاً مدنياً ضاغطاً؛ حيث قادت تكتلات نسوية وساطات ومناصرة فاعلة نجحت في انتزاع مكاسب إنسانية وسيادية، كان أبرزها الضغط من أجل إعادة فتح مطار الريان الدولي لتسهيل حركة المواطنين. هذا الدور لا يعكس فقط استجابة ظرفية، بل يشير إلى تحولات ضمنية في أدوار الفاعلين داخل البنية القبلية في سياق الحرب.

مأرب: القبيلة كشريك في إدارة التوازن:-

في مأرب، برز نموذج مختلف، حيث لم تكن القبيلة بديلًا عن الدولة، بل شريكًا غير رسمي في إدارتها. فقد لعبت قبائل مثل عبيدة ومراد وجهم والجدعان دورًا مباشرًا في الدفاع عن المحافظة، وشكّلت العمود الرقمي للصمود العسكري في مواجهة جماعة الحوثي.

بالتوازي، أسهمت هذه القبائل في ضبط الداخل، والحد من النزاعات، واحتواء آثار النزوح الواسع، من خلال الأعراف وآليات الوساطة السريعة. كما استمرت في أداء دور الوسيط في قضايا إنسانية، مثل تبادل الأسرى وفتح الطرق. هذا التداخل بين الفعل العسكري والتنظيم الاجتماعي والتأثير السياسي أنتج نموذجًا فريدًا، حيث تدير القبيلة التوازن بين الحرب والاستقرار، وتؤثر في القرار دون أن تحل محل الدولة بالكامل.

حضرموت: القبيلة كفاعل منظم للمجال العام:-

في حضرموت، اتخذ دور القبيلة مسارًا مختلفًا، حيث تجاوزت الوساطة إلى تنظيم المجال السياسي والاقتصادي. برزت الأطر القبلية كقوى ضغط قادرة على التأثير في قضايا الموارد والخدمات، بل وفرض معادلات جديدة في العلاقة بين المجتمع والسلطة.
وفي هذا السياق، ظهر “حلف قبائل حضرموت” كأحد أبرز الأطر التنظيمية التي أعادت تشكيل الدور القبلي من مجرد وساطة اجتماعية إلى فاعل سياسي منظم. فقد تأسس الحلف كرد فعل على التهميش والصراع حول الموارد، ثم تطور ليصبح إطارًا جامعًا يعبّر عن مطالب محلية تتعلق بإدارة الموارد، والخدمات، وتمكين أبناء المنطقة. لم يقتصر هذا الدور على التهدئة، بل شمل حماية المصالح المحلية، والضغط لتمكين أبناء المنطقة، ورفض فرض ترتيبات من خارج السياق المحلي. وبهذا، أصبحت القبيلة عبر هذا الحلف فاعلًا يعيد تشكيل مفهوم السلطة على المستوى المحلي، لا مجرد وسيط بين أطراف النزاع.

-الجوف: القبيلة تحت الضغط ومؤشر “الريان” الجديد
في الجوف، يبدو المشهد مختلفًا وأكثر تعقيداً. فمع سيطرة جماعة الحوثي، تراجع الحضور العلني للقبيلة في الفترات السابقة، لكن ذلك لم يعنِ غياب دورها المكتوم؛ فقد استمرت القبائل في أداء وظائفها الأساسية، خصوصًا في احتواء النزاعات الداخلية والحفاظ على التماسك الاجتماعي.
إلا أن التطورات الأخيرة في منطقة “الريان” بالجوف (يونيو/يوليو 2026) قد قلبت الموازين، وأثبتت أن القوة الكامنة للقبيلة قادرة على الانفجار عندما تُمس ثوابتها العرفية أو مصالحها الوجودية. لقد شكّل حشد “النكف القبلي” الواسع في مطارح الريان كرد فعل على الانتهاكات والتهجير الحوثي، علامة فارقة. هذا التحرك القبلي العارم لم يقتصر على كونه احتجاجاً محلياً، بل تحول إلى أداة ضغط سياسي وأمني استراتيجي عطل مخططات السيطرة الكلية للحوثيين، وأثبت أن القبيلة في الجوف لا تزال حائط الصد الميداني الأخير القادر على تغيير معادلات القوة على الأرض.

شبكات تتجاوز الجبهات والتحديات الراهنة:-

على امتداد هذه المناطق، لم تنقطع قنوات التواصل بين القبائل، حتى في ذروة التصعيد.

فقد استمرت كمسارات موازية للتهدئة، وأسهمت في تسهيل عمليات الإفراج عن الأسرى، وفتح بعض الطرق الحيوية، عبر ضغط اجتماعي مباشر على مختلف الأطراف. في هذا السياق، لا تُفهم القبيلة فقط كفاعل محلي، بل كشبكة علاقات عابرة للجبهات، قادرة على العمل عندما تتعطل القنوات الرسمية.
ومع ذلك، يواجه هذا “السلام الخاص” تحديات وجودية؛ فاستمرار أمد الحرب يضغط بشدة على البنى القبلية عبر استنزاف القيادات التقليدية، ومحاولات “التسييس” المستمرة للقبيلة لإقحامها في صراعات أيديولوجية غريبة عن أعرافها. هذا الاستقطاب يهدد بتحويل القبيلة من “ضامن للاستقرار” إلى “أداة للصراع” إذا ما تم تقويض استقلاليتها الاجتماعية.
كما واجهت بعض المكونات القبلية خلال الحرب، مسألة النزوح وما ترتب عليها من فقدان الارتباط المباشر بالمجال الاقتصادي والجغرافي التقليدي. فعلى الرغم من استمرار بل وتزايد أدوار الوساطة القبلية، إلا أن ابتعاد القبائل عن مناطقها الأصلية حدّ من قدرتها على إدارة مواردها المحلية أو الاستفادة منها بشكل مباشر، ما أعاد تشكيل العلاقة بين النفوذ الاجتماعي والقدرة الاقتصادية. وفي هذا السياق، يؤثر ضعف الإمكانات اللوجستية والاقتصادية الناتج عن التشتت الجغرافي على قدرة القبيلة على التحرك والقيام بمهام الوساطة، بما في ذلك جمع الأطراف وتغطية متطلبات الضيافة والتنقل، وهو ما ينعكس مباشرة على ثقلها الاجتماعي ومستوى تأثيرها في إدارة النزاعات وحماية الأمن الإقليمي.

-مفارقة الاستقرار والعمق الاستراتيجي:-

تكشف التجربة في شرق اليمن مفارقة لافتة: الاستقرار لا يرتبط بوجود الدولة بقدر ما يرتبط بوجود منظومات محلية قادرة على التنظيم والاستجابة. ففي حين حافظت المناطق التي تتمتع ببنى قبلية متماسكة على قدر من الاستقرار، شهدت مناطق أخرى تآكلًا في منظومات الحماية مع ضعف هذه البنى.
بالنسبة للأطراف الإقليمية الفاعلة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، فإن هذه الديناميكيات تمثل فرصة جوهرية لتأمين العمق الاستراتيجي وحدود الجوار؛ فحماية البنى القبلية ودعم استقلاليتها واقتصادها المحلي ليس مجرد خطوة إنسانية، بل هو استثمار أمني مباشر لصناعة حلفاء موثوقين على الأرض يمتلكون الشرعية الميدانية والقدرة الفورية على مواجهة المشاريع التخريبية.

-خاتمة:-
السلام الذي يصمد في اليمن ليس ذاك الذي يُوقّع على الورق فحسب، بل ذاك الذي تحميه المجتمعات. في شرق البلاد، لم تكن القبيلة مجرد إرث اجتماعي، بل فاعلًا حيًا أعاد تشكيل أدواره وفقًا للسياق: تحكم في حضرموت، توازن في مأرب، وتنتفض وتصمد في الجوف والريان.
إن تجاهل هذه الديناميكيات لا يضعف فرص السلام فقط، بل يعيد إنتاج أسباب النزاع ذاتها. لذا، فإن الانتقال من “السلام المحلي” إلى “السلام الوطني” يتطلب اعترافاً رسمياً ودولياً بهؤلاء الوسطاء المحليين، وإدماج آلياتهم العرفية ضمن مسارات التفاوض الرسمية، عبر تقديم الدعم اللوجستي والاقتصادي الذي يضمن استمرارية ثقلهم الاجتماعي، لبناء سلام حقيقي يمتلك جذوراً صلبة على الأرض، لا مجرد حبر على ورق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى