اخبار

القيادة الإستراتيجية… تحول في هندسة القوة المصرية

بقلم: م/عبد الرحمن عبدالله الصلاحي -نائب المدير الإقليمي بالقاهرة لمركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية

يمثل إفتتاح القيادة الإستراتيجية للقوات المسلحة في جمهورية مصر العربية مؤشراً على دخول المؤسسة العسكرية المصرية مرحلة أكثر تطور في إدارة منظومة الأمن القومي، من خلال بناء هيكل قيادي يعزز تكامل التخطيط الإستراتيجي والتنسيق بين مختلف مكونات القوة العسكرية، بما يتلاءم مع طبيعة البيئة الأمنية التي أصبحت أكثر تعقيد وتشابك على المستويين الإقليمي والدولي.

ولا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن مشروع إعادة بناء الدولة الذي تنفذه مصر خلال السنوات الأخيرة، والذي أستند إلى تحديث مؤسسات الدولة وتعزيز عناصر القوة الوطنية الشاملة، سواء في المجال العسكري أو الإقتصادي أو التنموي. وقد أتاح هذا المسار لمصر إستعادة ثقلها الإستراتيجي في صياغة معادلات الإستقرار الإقليمي.

وتكشف مضامين خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إفتتاح القيادة الاستراتيجية عن رؤية تتجاوز المفهوم التقليدي للقوة العسكرية، لتربط بين بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الجاهزية الإستراتيجية، والحفاظ على الإستقرار، بإعتبارها مكونات متكاملة في إدارة الأمن القومي. كما تعكس هذه الرؤية إدراك بأن الردع الإستراتيجي يمثل أحد أهم أدوات منع الصراعات وليس بالضرورة خوضها.

وقد أثبتت التطورات الإقليمية المتلاحقة أن الدور المصري لم يعد يقتصر على حماية مصالحه الوطنية المباشرة، بل أصبح عامل مؤثر في إدارة التوازنات الإقليمية. وتؤكد مواقف القاهرة في ملفات فلسطين والسودان وليبيا واليمن، إلى جانب تأكيدها المستمر على أهمية أمن دول الخليج العربي، أن السياسة المصرية تنطلق من مفهوم يربط الأمن القومي المصري بإستقرار محيطه العربي، وهو مفهوم ظل حاضراً في الفكر الإستراتيجي المصري لعقود.

كما أظهرت التحركات الدبلوماسية المصرية خلال موجات التصعيد الأخيرة في المنطقة حرص القاهرة على إحتواء الأزمات ومنع تحولها إلى مواجهات إقليمية واسعة، انطلاقاً من قناعة بأن أمن الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه إلا عبر تعزيز الإستقرار، وتغليب الحلول السياسية، والحفاظ على توازنات الردع التي تمنع الانزلاق نحو الفوضى.

ولذا فإن إفتتاح القيادة الإستراتيجية اليوم يعكس تطورا في فلسفة إدارة القوة، ويؤشر إلى إنتقال مصر نحو نموذج أكثر تكاملاً في إدارة أمنها الوطني، بما يعزز قدرتها على التفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، ويكرس مكانتها بوصفها إحدى الدول العربية المحورية في معادلات الأمن والإستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى