خلف كل رصاصة قاتلة كلمة كراهية.. قراءة في خطاب شرعنة الاغتيالات السياسية
الكاتب | مجيب الحميدي

لا تبدأ الاغتيالات السياسية حين يضغط أحدهم على الزناد، ولا حين تخترق الرصاصة جسد الضحية، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من نزعة استعلاء وادعاء لطهورية الذات وقذارة الآخر. ويتضخم هذا الشعور كما تضخم لدى إبليس فأخرجه من الجنة، ولدى قابيل فسولت له نفسه قتل أخيه. وحين تتلوث الذات بوهم الطهورية وقذارة الآخر، تحتقن بالكراهية ويطرأ على اللغة انحراف خطير؛ فتتحول من أداة للتعبير عن الخلاف إلى أداة لشيطنة الخصم، وصناعة العدو، ونزع الإنسانية، وتوفير الذرائع الأخلاقية للتصفية الجسدية.
وفي واحدة من أكثر العبارات كشفًا لهذه البنية الخطابية التي تسبق العنف وتمهّد له، نقلت وسائل الإعلام مؤخراً من محاضر التحقيقات في إحدى قضايا الاغتيالات السياسية في اليمن قول أحد أفراد خلية متهمة باغتيال قيادات في حزب الإصلاح: “سمعت من المتهم عبد الرحمن عبد القادر أن هؤلاء تابعين لحزب الإصلاح وهم أنجس ناس ولابد من تصفيتهم.”
قد تبدو هذه العبارة، للوهلة الأولى، مجرد تعبير فجّ عن كراهية سياسية متطرفة، أو انفعال لغوي صادر عن بيئة محتقنة، لكنها في حقيقتها تكشف عن بنية رمزية مكتملة، تختصر المسار الذي تنتقل فيه الكراهية من فكرة إلى قناعة، ومن قناعة إلى مشروعية، ومن مشروعية إلى رصاصة.
أثناء قراءتي لهذه العبارة، كنت أتصفح مادة فكرية تتضمن ملفًا عن “اللغة والإبادة الجماعية” صادرًا ضمن العدد (126) من فصلية نزوى العُمانية، واستوقفتني جملة مبرزة في مقال “لسانيات الإبادة” لعماد عبد اللطيف تنص على: “مع كل قطرة دم تراق على الأرض يوجد فعل لغوي يشارك في الإبادة ويجعلها ممكنة ومستمرة”. والمضمون يؤكد أن اللغة ليست مجرد أداة لوصف العنف، بل هي جزء من العُدّة التي تجعل العنف ممكنًا، وتُخفيه، وتُبرّره، وتُعيد إنتاجه في الوعي الجمعي حتى يبدو طبيعيًا أو مفهومًا أو مقبولًا.
من الخصومة السياسية إلى صناعة “العدو”
تبدأ العبارة بتحديد هوية المستهدفين: “هؤلاء تابعون لحزب الإصلاح”. قد تبدو الجملة توصيفًا سياسيًا محايدًا، لكنها تؤدي وظيفة تتجاوز مجرد التعريف. إنها تمثل الخطوة الأولى في كل خطاب كراهية منظم: اختزال الأفراد في انتمائهم السياسي، وتجريدهم من فرديتهم، وتحويلهم إلى كتلة واحدة متجانسة قابلة للاستهداف.
حين يحدث هذا التحول، لا يعود المستهدف فردًا يمكن الاختلاف معه أو محاورته أو حتى معارضته؛ فهو موصوم بصفة جمعية تُحمّله أوزار الحزب كله. ويحاول خطاب الكراهية هنا توسيع نطاق الاستهداف بالإشارة إلى أن فرع جماعة الإخوان اندمج في بداية تسعينات القرن الماضي في هذا الحزب، مما يجعل هذا الفرد — في عقل القاتل — مسؤولًا عن جميع الصراعات المرتبطة بالإخوان في مشارق الأرض ومغاربها، ولا سيما الفروع المرتبطة بالصراع الفلسطيني والإسرائيلي والتي تعرضت لتصنيفات دولية في قوائم الإرهاب. وبالتالي، يصبح الانتماء السياسي بحد ذاته تهمة قابلة لأن تتحول إلى حكم، ثم إلى عقوبة، ثم إلى مبرر للقتل. هكذا يتشكل “العدو” في خطاب الكراهية السياسي بناءً على تصورات لا علاقة لها بالسلوك والممارسة، فهي تحاكمك بسبب “المعنى” الذي تمثله.
نزع الإنسانية: حين يتحول الخصم إلى نجاسة
لكن العبارة لا تقف عند حدود التصنيف السياسي، بل تنتقل سريعًا إلى مرحلة أخطر، حين يُقال عن هؤلاء إنهم: “أنجس ناس”. وهنا يدخل الخطاب منطقة مختلفة تمامًا؛ منطقة نزع الإنسانية. فكلمة “أنجس” ليست مجرد شتيمة عادية، بقدر ما هي توصيف عنصري صادر من ذات مسكونة بنزعة طهورية عرقية، أو مناطقية، أو أيديولوجية. يحمل هذا التوصيف إيحاءات رمزية وأخلاقية عميقة، تحوّل الخصم من إنسان مختلف إلى كائن ملوّث يستدعي الاشمئزاز، ويستفز الرغبة في “التطهر” منه.
وهذا النمط من الخطاب ليس جديدًا في تاريخ العنف البشري. فقد كشفت دراسات خطاب الكراهية والإبادة الجماعية أن المجازر الكبرى كثيرًا ما تبدأ بهذه اللحظة اللغوية تحديدًا: حين يُعاد تعريف البشر باعتبارهم شيئاً آخر؛ شيئاً لا يستحق الحماية الأخلاقية التي نمنحها تلقائيًا للإنسان. وفي أدبيات التحليل المعاصر، يُعرف هذا بـ “نزع الإنسانية” وهي العملية التي يُجرّد فيها الآخر من صفته الإنسانية عبر تشبيهه بما هو نجس، أو خطر، أو طفيلي، أو عديم القيمة. وحين يفقد الإنسان إنسانيته في اللغة، يصبح فقدانه لحمايته في الواقع أكثر سهولة. وهنا يجب أن نشير بإنصاف إلى أن هذا الخطاب السام تتورط فيه أطراف سياسية يمنية كثيرة، ولا سيما حين يتم إلصاق أسماء بعض الحيوانات بأبناء مناطق جغرافية معينة.
“لابد من تصفيتهم”: حين تتحول الكراهية إلى واجب
بعد التصنيف، وبعد الوصم، تأتي الخطوة الأخيرة: “ولابد من تصفيتهم”. هنا تبلغ العبارة ذروتها الأخلاقية والسياسية. فاللافت أن التعبير المستخدم ليس “قتلهم” أو “اغتيالهم”، ولكن “تصفيتهم”، وهو تعبير ينتمي إلى ما تسميه دراسات الخطاب “التلطيف اللغوي للعنف” أي استبدال الفعل الدموي الصريح بمفردة تبدو أكثر برودة وحيادًا، وكأنها إجراء إداري أو مهمة تنظيمية تقنية، وليست فعلًا يستهدف إنهاء حياة بشرية.
أما عبارة “لابد”، فهي تنقل الفعل من مستوى الإمكان إلى مستوى الضرورة؛ من خيار إلى واجب؛ من جريمة محتملة إلى تكليف أخلاقي حتمي. وهكذا تكتمل سلسلة شرعنة الاغتيال: تصنيف سياسي، يليه وصم أخلاقي، يليه نزع إنسانية المستهدف، يلي ذلك استبدال لغوي لكلمة الإبادة مع تأكيد أخلاقي على الضرورة المبررة للفعل، وصولاً إلى تشكيل الخلايا وبداية إطلاق الرصاص. هذه ليست مجرد مراحل تحليلية ذهنية، فهذا هو المسار النفسي والاخلاقي الفعلي الذي يقطع فيه الضمير البشري المسافة بين التردد الأخلاقي والقدرة على القتل.
خلف كل اغتيال رواية مركبة
الرصاصة لا تطلق نفسها، والأصبع التي تضغط على الزناد لا تتحرك بدون دافع يتم اختلاقه في قصة خيالية تُغرس في ذهن القاتل، تنطوي على تصور مشوه للذات والآخر. هناك “هم” وهم ليسوا مثلنا “نحن مختلفون والأخرون هم الجحيم ” وهم ليسوا مجرد خصوم، بل إنهم “أنجاس”، ووجودهم نفسه خلل كوني ينبغي إصلاحه، وإزالتهم ليست اعتداءً وبغياً بل هي حفاظ على النسيج الاجتماعي والسلام. والغرض من هذه السردية هو إخراس صوت الضمير، وإعادة صياغة القتل باعتباره فعلًا طبيعيًا يمكن التعايش معه نفسيًا، وربما التفاخر به.
ولعل أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يعبّئ المنفذين وحدهم، فهو يسعى إلى تعبئة البيئة المحيطة أيضًا، بحيث يتحول الاغتيال من جريمة تستوجب الإدانة والملاحقة، إلى حدث يمكن الصمت عنه، أو تبريره، أو حتى الاحتفاء به ضمنيًا. وفي السياق اليمني، ومع تداخل الانقسامات السياسية بالطائفية والمناطقية، يصبح التساهل مع هذا النوع من اللغة خطرًا مضاعفاً. فالكلمات التي تبدأ ضد حزب بعينه قد تنزلق سريعًا نحو أحزاب أخرى، أو منطقة جغرافية، أو فئة اجتماعية، حتى يتحول المجتمع كله إلى خرائط متقابلة من الاستهداف المتبادل. وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن تصبح مفردات مثل “التصفية” جزءًا مألوفًا من معجمه السياسي؛ عندها لا تكون المشكلة فقط فيمن يطلق النار، ولكن في الألغام اللغوية المزروعة في عقول أبناء المجتمع.
كيف نبني المناعة المعرفية ضد خطاب الكراهية؟
إدراك الحقائق السابقة لا يكفي وحده؛ فمواجهة خطاب شرعنة الاغتيالات لا تكتمل بمجرد فضح مفرداته وآلياته، ولكنها تتطلب بناء ما يمكن تسميته بـ “المناعة المعرفية” ضد خطاب الكراهية. فهذه الرصاصة التي تنهي حياة الضحية تبدأ غالبًا بعدوى صامتة تصيب الوعي الجمعي، حين تتسلل إليه الصور النمطية، والتعميمات المضللة، ومفردات نزع الإنسانية، حتى يصبح ما كان يبدو شنيعًا قابلًا للفهم، ثم للتبرير، وربما للتأييد.
وتبدأ هذه المناعة من إخضاع الادعاءات التي تستهدف الجماعات والأفراد للفحص النقدي، ورفض التسليم بالأحكام الجاهزة التي تختزل البشر في انتماءاتهم، أو تعمم أخطاء بعضهم على الجميع. كما تقتضي مقاومة اللحظة التي يتحول فيها الخصم السياسي أو الفكري من إنسان مختلف إلى كائن يُوصَف بالقذارة، أو الخيانة، أو النجاسة؛ لأن تلك اللحظة هي بداية التآكل الأخلاقي الذي يمهّد لقَبول العنف.
ويتطلب التحصين المعرفي كذلك مقاومة الاستثارة العاطفية التي تغذيها خطابات الكراهية؛ فهي لا تقنع بالعقل بقدر ما تعبّئ الخوف والغضب والاشمئزاز، وتُعطل التفكير النقدي لصالح ردود الفعل والانفعالات.
معركة حماية إنسانيتنا المشتركة والتحدي الحقيقي
إن حماية المجتمع من ثقافة القتل لا تبدأ فقط بملاحقة من يضغطون على الزناد، ولكنها تبدأ ببناء وعيٍ قادر على أن يرفض الكلمات التي تمنح الرصاصة شرعيتها. لكن السؤال الأكثر تعقيدًا في واقعنا اليمني يتعلق بكيفية التعامل مع المليشيات التي تشكلت بنيتها العقائدية أساساً على خطاب الكراهية والعنصرية، وتتبنى بدورها مفردات الإقصاء، وتمنح نفسها حق تصنيف مخالفيها ضمن مراتب دينية أو أخلاقية تبرر استباحة دمائهم وأموالهم — كالحركة الحوثية على سبيل المثال.
ففي مثل هذه الحالات، يصبح من السهل جداً أن ينزلق خطاب المقاومة نفسه إلى إعادة إنتاج المنطق الإقصائي ذاته الذي يسعى إلى مقاومته، عبر التعميم، أو نزع الإنسانية، أو شيطنة جميع أعضاء الجماعة، مقاتلين منهم وغير مقاتلين. ولهذا، فإن التحدي الأخلاقي والوجودي يتمثل في قدرتنا على تعرية ثقافة العنف والكراهية والعنصرية في خطاب هذه الحركة دون التورط في إطلاق أحكام تعميمية على أفراد يتم تحشيدهم وغسل أدمغتهم باستغلال فقرهم، وجهلهم، ومصالحهم، ومخاوفهم.
إن توصيف جماعات العنف بأنها تتبنى فكرًا عنصريًا هو دقة علمية مشروعة، مع مراعاة أن المسؤولية الأخلاقية والجنائية الكبرى تتحملها القيادات العقائدية والمطابخ الفكرية. وهنا يجب التفريق بوضوح بين نقد الفكر، كأن نقول: “هذه الأفكار تشرعن العنصرية والعنف، وتهدد فكرة المواطنة المتساوية وقيم التعايش في دولة حديثة، وتشرعن احتكار السلطة وتكفير المخالفين واتهامهم بالنفاق واستباحة دمائهم”، وبين اللجوء إلى لغة كراهية بديلة ومضادة من قبيل: “هم نجس” أو “يجب استئصالهم جمعياً”.
يجب أن نتذكر دائمًا أن هناك من تورط في القتال مع هذه الجماعة لسنوات بفعل التجهيل، ثم أصبحوا الآن في صفوف المقاومة والدفاع عن الجمهورية. إن الحرص على تفكيك البنية الفكرية التي تشرعن الإقصاء، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التمييز بين نقد العقيدة السياسية العنيفة وبين اختزال جميع المنتمين إليها في صورة واحدة مغلقة، هو الواجب الأخلاقي الأسمى المعبر عن جوهر المعركة ضد خطاب الكراهية نفسه. فقَبْل أن يُستباح الإنسان في الواقع، يُستباح أولاً في اللغة، وحماية العقول هي الحصن الأول لحماية الأرواح.
-نقلا عن المصدر اون لاين



