حكومة الزنداني.. تمثيل متفاوت واختبار للإستقرار
بقلم | عبدالرزاق قاسم - نائب رئيس المنتدى السياسي لدى مركز البحر الأحمر للدراسات

بعد اثنين وعشرين يوما من قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين شايع الزنداني رئيسا لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة، أُعلن رسميا الليلة الماضية عن تشكيل الحكومة الجديدة، المكونة من خمسة وثلاثين عضوا، بمن فيهم رئيسها، في خطوة ترقبها الشارع اليمني بوصفها إفصاح عن مسار جديد في محطة مفصلية تشكلت على إثر التطورات الأخيرة التي ابتدأءت مطلع ديسمبر من العام الماضي، بعملية اجتياح الانتقالي لمحافظتي حضرموت والمهرة، وانتهت في يناير من العام الجاري بإخراج الإنتقالي من تلك المحافظتين، وهروب عيدروس الزبيدي من عدن. وتعد حكومة الزنداني من أكبر الحكومات في تاريخ الجمهورية اليمنية من حيث العدد، إذ تأتي في المرتبة الثانية بعد حكومة العطاس الأولى التي تشكلت عقب تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، وهو ما يعكس استجابة في نظر البعض للأصوات الكثيرة المطالبة بالتمثيل، ومحاولة لاستيعاب أكبر قدر ممكن من القوى والمكونات الفاعلة في المشهد اليمني.
وضمت الحكومة الجديدة أعضاء من مكونات سياسية متعددة، وممثلين عن معظم محافظات الجمهورية، في مسعى على ما يبدو في نظر رئيس مجلس القيادة ورئيس الحكومة لتحقيق توازن سياسي وجغرافي يعكس واقع المرحلة وتعقيداتها.
كما شهد التشكيل الحكومي، وللمرة الثانية في تاريخ حكومات الجمهوريـة اليمنية، مشاركة ثلاث نساء في عضويته، في خطوة كان قد أكد على ضرورتها رئيس مجلس القيادة في حديث له قبل أشهر، وحرص رئاسي على مستوى التمثيل النسوي داخل السلطة التنفيذية.
التمثيل السياسي والجغرافي.
على مستوى التمثيل السياسي، جاء توزيع الحقائب داخل الحكومة متباينا، بما يعكس حالة التنافس الشديد الناتج عن تعددية المكونات وتداخل التحالفات، حيث حاز المجلس الانتقالي المنحل والمقربين منه على نصيب الأسد، إذ عين ستة من قياداته البارزة وزراء في الحكومة من، إلى جانب أربع شخصيات قريبة منه أو حليفة له، وهو ما يمنح هذا التيار حضورا وازنا داخل قوام الحكومة، يكاد يلامس نصف قوامها، اذا ما أضيف إليه نصيب الحزب الاشتراكي اليمني الذي استأثر هو الآخر بخمسة وزراء من أعضاء الحكومة الجديدة.
كما ضم التشكيل خمسة وزراء من المكونات الحضرمية، في مؤشر على محاولة لإرضاء الخصوصية الحضرمية، وترجمة الثقل الحضرمي الذي تشكل مع الاحداث الأخيرة وترجمته إلى حضور سياسي وإداري.
في المقابل، حصل المؤتمر الشعبي العام على أربعة وزراء، فيما مُثل التجمع اليمني للإصلاح بثلاثة وزراء، ومنح التشكيل الجديد وزيرا واحدا لكل من التيار السلفي، والمقاومة التي يتزعهما طارق صالح، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، الذي ذهبت حصته لشقيق أمينه العام عبدالله نعمان.
إضافة إلى ذلك فقد ظفر المستقلون بخمسة وزراء، دخلوا الحكومة باعتبارهم كفاءات تكنوقراط على الأرجح. وفي محاولة لإيجاد صيغة توازن آخر داخل الحكومة، كان هناك تمثيل جغرافي متفاوت أيضا، حيث بلغ نصيب المحافظات الشمالية خمسة عشر وزيرا، توزعوا بين ثلاثة وزراء من محافظة إب، ووزيرين من صنعاء، ومثلهما من تعز، والبيضاء، إلى جانب وزير واحد من كل من ذمار، وعمران، ومأرب، وصعدة، والحديدة، وريمة، ليصل إجمالي التمثيل الشمالي إلى خمسة عشر وزيرا.
في المقابل، حازت المحافظات الجنوبية على عشرين وزيرا، توزعوا على خمسة وزراء من حضرموت، وأربعة وزراء من عدن، وثلاثة من لحج، ووزيرين من كل من شبوة، وأبين، والضالع، إضافة إلى وزير واحد من المهرة وآخر من سقطرى، ليبلغ إجمالي التمثيل الجنوبي عشرين وزيرا.
سياق التشكيل والتحديات.
ويأتي إعلان الحكومة الجديدة في ظل سياق سياسي وأمني واقتصادي بالغ التعقيد، يتسم بتشابك الأزمات، وعدم التخلص من مراكز النفوذ السابقة التي كانت تعطل أعمال الحكومة في عدن، وكذلك استمرار التوتر وتداعيات الأزمة الأخيرة التي افتعلها الانتقالي باجتياح محافظتي حضرموت والمهرة، وما ألقت به من ظلال على مؤسسات الدولة ومعيشة المواطنين.
كما يتزامن التشكيل مع تحركات إقليمية داعمة، في مقدمتها الدور السعودي في دعم الاستقرار الأمني والاقتصادي في المناطق المحررة، وهو ما يوفر للحكومة الجديدة فرصة، قد تكون أوسع من سابقاتها، لتحقيق قدر من الفاعلية إذا ما أحسنت إدارة هذا الدعم.
غير أن هذا التنوع السياسي والجغرافي الواسع، الذي ينظر إليه كعامل قوة محتمل، قد يتحول في المقابل إلى عامل إعاقة إذا لم يدار ضمن رؤية واضحة وبرنامج حكومي متماسك، قادر على تحويل التوافقات الشكلية إلى سياسات عملية، تنعكس على حياة المواطنين، وتلبي تطلعاتهم في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والمعيشي، في مرحلة تعد من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد المعاصر.



