مقالات

تداعيات الصراع الإيراني الأمريكي على المنطقة

همام الولص بحيبح - كاتب وباحث

لم يعد الصراع بين ايران والولايات المتحدة شانا ثنائيا يقتصر على العقوبات او الخلاف حول الملف النووي بل تحول خلال السنوات الاخيرة الى عامل رئيسي في تشكيل البيئة الامنية في المنطقة فموقع الخليج الجغرافي ووجود القاعدة العسكرية الامريكية في قطر واعتماده على استقرار الممرات البحرية لتصدير الطاقة جعله الساحة الاكثر تعرضا لارتدادات هذا الصراع حتى في غياب حرب مباشرة بين الطرفين.

منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 دخلت المنطقة مرحلة تصعيد متدرج شمل تشديد العقوبات الامريكية على طهران واتباع ايران سياسة الرد غير المباشر عبر الضغط في الساحات الاقليمية هذا التصعيد انعكس سريعا في المنطقة حيث شهد عام 2019 سلسلة حوادث استهدفت ناقلات نفط قرب الفجيرة وتوترات متكررة في مضيق هرمز اضافة الى الهجوم الكبير على منشآت ارامكو في بقيق وخريص الذي ادى الى خفض انتاج النفط السعودي مؤقتا بنحو النصف هذا الحدث تحديدا شكل نقطة تحول اذ كشف أن البنية الاقتصادية في المنطقة شديدة الارتباط بالاستقرار الأمني وأن أي تصعيد عسكري واسع قد ينعكس بسرعة على أسواق الطاقة وحركة الملاحة والاستقرار الاقتصادي الإقليمي.

الحضور العسكري الدولي في المنطقة ازداد بدوره نتيجة هذا التصعيد فقد عززت الولايات المتحدة وجودها البحري والجوي وارسلت قطع بحرية اضافية لحماية الملاحة هذه الحشود العسكرية تعكس خشية دولية من تحول المنطقة الى مسرح احتكاك مباشر لكنها في الوقت نفسه تجعل المنطقة اكثر عرضة لاي خطأ في الحسابات او حادث غير محسوب.

ولا يقتصر خطر التصعيد على مسرح الخليج المباشر اذ تشير تقديرات أمنية إقليمية ودولية إلى احتمال اتساع نطاق المواجهة ليشمل جبهات غير تقليدية في حال اندلاع صدام واسع بين واشنطن وطهران فالساحة اليمنية والبحر الأحمر تمثلان أحد المسارات المحتملة لارتدادات الصراع في ظل الحديث عن استعدادات لجماعات مسلحة مدعومة من إيران للتحرك ضد أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة أو حلفائها وهو ما يعكس الطبيعة المتشابكة للأمن الإقليمي حيث يمكن لأي مواجهة كبرى أن تفتح دوائر تصعيد متزامنة تتجاوز حدود الصراع المباشر.

التداعيات لا تقف عند البعد العسكري فاقتصادات المنطقة اليوم تمر بمرحلة تحول استراتيجي تهدف الى تقليل الاعتماد على النفط من خلال مشاريع ضخمة هذه الخطط تعتمد على الاستقرار طويل المدى واي حرب واسعة او اضطراب كبير سيؤدي الى ارتفاع تكاليف التامين والنقل وتراجع الثقة الاستثمارية وربما هروب رؤوس الاموال.

لهذا السبب برز تحول ملحوظ في السياسة الخليجية من منطق المواجهة الى منطق الاحتواء فقد مثل سعي وحرص السعودية على امن واستقرار المنطقة انطلاقا من ايمانها بالسلام والمسؤولية في قيادة المنطقة اشارة واضحة الى موقف قوة للسعودية في المنطقة وهي لا تبحث عن خفض توتر بل عن امن واستقرار رغم استمرار التحالفات الدفاعية مع واشنطن في الوقت نفسه تظهر السعودية قدرتها الواقعية على مواجهة اي تحديات محتملة بفضل تماسك جبهتها الداخلية واستقرار مؤسساتها الامنية والسياسية واضافة الى قدرتها على الحشد الاقليمي والدولي عند الحاجة.

وفي هذا السياق برز الدور السعودي كعنصر توازن رئيسي في المعادلة الإقليمية إذ تمثل المملكة الثقل السياسي والاقتصادي الأكبر في المنطقة ما يمنح تحركاتها بعدا يتجاوز الإطار الوطني إلى التأثير في الاستقرار الإقليمي ككل وقد أظهرت الرياض خلال السنوات الأخيرة قدرة واضحة على إدارة التوترات بحكمة تجمع بين الحزم والتهدئة مع الحفاظ على موقعها كشريك دولي موثوق وقوة إقليمية داعمة للاستقرار، الأمر الذي جعل من السعودية نقطة ارتكاز في أي مسار يتعلق بأمن المنطقة.

فقد عززت الرياض تحالفاتها الاستراتيجية مع مصر وتركيا وباكستان بما يوفر دعما سياسيا وعسكريا اضافيا ويسهم في تعزيز امن واستقرار المنطقة هذه القدرات تمنح السعودية هامش مناورة اكبر وتبقيها لاعبا محوريا في التوازن الاقليمي حتى في ظل اي تصعيد محتمل في الصراع الايراني الامريكي.

الى جانب ذلك يظل البعد الاجتماعي حاضرا بقوة فاي صدام امريكي ايراني واسع قد يغذي الاستقطاب الطائفي في المنطقة ويخلق توترات داخلية في مجتمعات متعددة المذاهب لهذا تركز الخطابات الخليجية الرسمية في السنوات الاخيرة على مفاهيم السيادة وعدم التدخل وامن المنطقة الجماعي في محاولة لتحصين الجبهة الداخلية من ارتدادات الصراعات الخارجية
المعضلة الاساسية لدول المنطقة تكمن في موقعها بين طرفين متصارعين فهي ترتبط امنيا بالولايات المتحدة عبر اتفاقيات دفاعية وقاعدة عسكرية في قطر وفي الوقت نفسه تتقاسم الجغرافيا والممرات البحرية مع ايران هذا يفرض عليها اتباع سياسة توازن دقيقة تقوم على الحفاظ على الردع العسكري مع فتح قنوات تهدئة سياسية لتجنب الانفجار.

في المحصلة لم يعد الخطر بالنسبة لدول المنطقة يتمثل في حرب تقليدية معلنة بل في بيئة توتر مستمر وحوادث متفرقة وحروب غير مباشرة يمكن ان تتوسع فجأة نجاح الاستراتيجية الاقليمية الحالية يعتمد على استمرار ضبط النفس بين واشنطن وطهران وعلى قدرة دول المنطقة على لعب دور المهدئ لا المحرض غير ان هشاشة البيئة الاقليمية تعني ان اي انزلاق كبير في مسار الصراع الايراني الامريكي قد يضع المنطقة مرة اخرى في قلب العاصفة مهما كانت سياسات الاحتواء حذرة ومدروسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى