مقالات

إيران على جدول القصف الدوري: حين يتحوّل الهجوم إلى موعد نصف سنوي

بقلم د.نبيل العتوم أكاديمي أردني وباحث سياسي في الشأن الإيراني

لم يعد السؤال المطروح في واشنطن وتل أبيب هو ما إذا كانت إيران ستُضرب، بل متى، وبأي وتيرة، وتحت أي ذريعة. فبعد تجربة يونيو، وما رافقها من ضبط نفس إيراني مرتبك ، بدأ يتشكّل منطق استراتيجي جديد لدى اسرائيل : إيران بوصفها دولة يمكن قصفها كل ستة أو ثلاثة أشهر، تمامًا كما جرى ويجري تطبيع ضرب حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وغزة كلما دعت الحاجة العسكرية أو الأمنية الإسرائيلية.

هذا المنطق لا يولد من فراغ ؛ بل من قراءة استخبارية ترى في التردد الإيراني ضعفًا، وفي غياب الرد الصاعق دعوة مفتوحة لتكرار الهجوم بشكل دوري كلما دعت الحاجة: سنوي ، نصف سنوي ، ربع سنوي ، على اعتبار قبول طهران بمعادلة “الضربة والاستهداف العسكري والأمني بلا ثمن”، وبهذا تنتقل من خانة الخصم الاستراتيجي إلى خانة الهدف الدوري ، وهو ما تأكد بعد عمليات استهداف عسكري واستخباري مؤثر داخل العمق الايراني ، واعلنت طهران مرارا وتكرارا احتفاظها بحق الرد في الزمان والمكان المناسب ، وبدت ايران كدولة تستهدف و تُقصف بعض من منشأتها الحيوية، و يستهدف علمائها، وممثلياتها الدبلوماسية … ، وتكون حريصة دوما على عدم تغيّر قواعد الاشتباك ، بهذا تتحول تدريجيًا إلى ساحة اختبار دائمة، تُدار فيها المعارك وفق روزنامة الآخرين لا حساباتها الخاصة.

في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر جرأة في التفكير بخيار الهجوم الأحادي، مستندة إلى افتراض بالغ الخطورة: أنها تستطيع ضرب إيران ثم الاحتماء بالمظلّة الدفاعية الأمريكية في المنطقة، لتجد واشنطن نفسها منسحبة نظريًا ومنخرطة عمليًا.

هنا تكمن العقدة التي تحرج دونالد ترامب تحديدًا ؛ فالرجل الذي يرفع شعار “أمريكا أولًا” يدرك أن أي حرب واسعة مع إيران تتناقض جذريًا مع هذا الشعار، لكنها في الوقت ذاته قد تُفرض عليه بفعل حليف يملك قدرة عالية على جرّ الولايات المتحدة خطوة بعد خطوة إلى قلب الصراع.

ترامب، بحسب هذا المنطق، يقف بين ضغطين متعاكسين. من جهة، قاعدة انتخابية مرهقة من الحروب، لا تريد مغامرات خارجية جديدة، ومن جهة أخرى، مانحون نافذون ومراكز نفوذ مؤيدة لإسرائيل ترى في المواجهة مع إيران استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 2026، تصبح الحسابات أكثر حساسية ؛ شعبية ترامب المتراجعة بسبب أزمة غلاء المعيشة والانقسامات السياسية تجعل أي حرب واسعة مخاطرة سياسية كبرى.

تجربة يونيو نفسها تُقدَّم اليوم كنموذج إغراء خطير ؛ فقد استطاع ترامب أن يعلن “النصر”: دعم إسرائيل، ألحق ضررًا بالبرنامج النووي الإيراني، ثم أغلق الجولة سريعًا بوقف إطلاق نار لاعتبارات عديده ؛ لكن هذا النجاح الظاهري يخفي حقيقة مقلقة: الجولة المقبلة قد لا تُدار بالسهولة ذاتها ؛ فإيران التي تُدرك الآن خطر التحول إلى “هدف نصف او ربع سنوي” هل ستمنح خصومها ترف وضعها على جدول القصف بشكل دوري ومنتظم على غرار وكلائها .

في جوهر المشهد، لا يدور الصراع حول ضربة واحدة، بل حول تثبيت قاعدة؛ إما أن تُفرض معادلة ردع تجعل كلفة الهجوم عالية وغير مضمونة، أو يُفتح الباب أمام نموذج جديد من الحروب الدورية منخفضة الكلفة لاسرائيل ، عالية الاستنزاف للمستهدف الايراني . إسرائيل جرّبت هذا النموذج بنجاح مع حزب الله وغزة والحوثيين، والاختبار الأهم الآن هو ما إذا كان سيُعمّم على إيران نفسها…الجميع بالانتظار .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى