مقالات

اليمن في قلب مصر.. موقف راسخ لا تغيره الظروف

بقلم الكاتب المصري محمد عمر - مستشار الشؤون الخارجية لدى مركز البحر الأحمر للدراسات

العلاقة بين مصر واليمن هي امتداد لجذور تاريخية وحضارية هذه العلاقة العميقة كانت دائماً تنبع من إدراك مصري ثابت بأهمية اليمن كركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، ومن فهم يمني لدور مصر كقوة توازن تدافع عن قضايا الأمة وتحفظ استقرارها في مواجهة التحديات.

اليمن بتاريخه الممتد وحضارته العريقة، هو قلب نابض في الجغرافيا السياسية للمنطقة، وأي اختلال في توازنه ينعكس على الجميع، لهذا فإن دعم اليمن في الحفاظ على استقراره ووحدته وسيادته وسلامة أراضيه ليس خياراً بل هو مسؤولية تاريخية تتطلب جهداً جماعياً، لمواجهة خطورة تفتيت الدول الوطنية وتحويلها إلى بؤر صراع دائمة، ومصر تدرك تماماً أن بقاء اليمن قوياً ومتماسكاً هو ضمانة حقيقية لاستقرار المنطقة بأكملها.

إن الشرعية في اليمن ليست مجرد سلطة سياسية، بل هي عنوان لاستمرار الدولة، وجدار الحماية في مواجهة مشاريع الفوضى التي تسعى إلى تقويض مفهوم الدولة واستبداله بصراعات مفتوحة لا نهاية لها، لهذا جاء الدعم المصري واضحاً وثابتاً للشرعية اليمنية، إيماناً بأن استقرار اليمن لا يتحقق إلا من خلال مؤسسات قوية، قادرة على حماية البلاد من الانزلاق إلى الفوضى إن الوقوف مع الشرعية هو وقوف مع اليمن نفسه، مع تاريخه وهويته، ضد كل محاولات فرض واقع جديد يتناقض مع إرادة أبنائه وتطلعاتهم.

إن وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه ليست فقط ضرورة وطنية، بل هي صمام أمان للمنطقة بأسرها فقد أثبتت التجربة أن أي محاولة لتقسيم الدول لا تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى والصراعات التي تستنزف الشعوب وتفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، من هذا المنطلق كان الموقف المصري واضحاً في دعمه لوحدة اليمن وسلامة أراضيه، انطلاقاً من رؤية استراتيجية ترى في استقرار اليمن ضمانة للأمن القومي العربي وليس فقط مصلحة يمنية داخلية.

القضية اليمنية لم تكن غائبة عن أولويات مصر التي تعاملت معها باعتبارها قضية عربية بامتياز، تحتاج إلى حلول تحفظ لليمن هويته، وتحميه من التدخلات التي تحاول فرض أجندات لا تمت بصلة لمصالح شعبه، لهذا كان الصوت المصري حاضراً في كل المحافل الإقليمية والدولية، مدافعاً عن حق اليمن في استعادة دولته، وعن ضرورة تقديم كل أشكال الدعم التي تساعده على تجاوز أزمته، ليس فقط من منظور سياسي، بل أيضاً من منظور إنساني، إدراكاً لحجم المعاناة التي يعيشها الشعب اليمني بسبب الحرب .

مصر بثقلها التاريخي ودورها الفاعل كانت حاضرة بدعمها السياسي والدبلوماسي، وبمواقفها الواضحة التي أكدت أن اليمن لن يكون وحده في معركته للحفاظ على هويته واستقلاله، إن هذا الدعم لم يكن مجرد التزام سياسي، بل هو جزء من مسؤولية مصرية تجاه قضايا الأمة، تعكس إيماناً بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إذا تُركت الدول لتواجه مصيرها وحدها في مواجهة المشاريع التي لا تستهدف دولة بعينها، بل تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة بأكملها وفق حسابات لا تخدم إلا القوى التي تريد أن تبقى الفوضى هي القاعدة والاستقرار هو الاستثناء.

وفي هذه المرحلة المفصلية من تاريخ اليمن يصبح التكاتف العربي أكثر أهمية من أي وقت مضى، وتصبح مواقف الدول الداعمة للشرعية ووحدة اليمن بمثابة حجر الأساس في بناء مستقبل لا يكون فيه مكان لمن يسعون إلى هدم الدول وإضعافها، ومصر بحكمتها ووضوح رؤيتها تثبت أنها ليست فقط قوة إقليمية بل هي ركن أساسي في معادلة الحفاظ على استقرار المنطقة، وشريك حقيقي لكل من يسعى إلى بناء دول قوية قادرة على حماية سيادتها والحفاظ على مقدراتها.

إن معركة اليمن اليوم ليست فقط معركته وحده، بل هي معركة كل من يؤمن بأن الدولة الوطنية هي الحصن الأخير ضد الفوضى، وأن بقاء اليمن موحداً وقوياً هو انتصار لفكرة الاستقرار ضد مشاريع الهدم والتفكيك، وما دام هناك من يؤمن بهذه المبادئ فإن اليمن سيظل قادراً على تجاوز محنه، لأن الأوطان العظيمة لا تُهزم، بل تنهض من كل أزمة أقوى، وتُعيد رسم مستقبلها بإرادة شعوبها.

ومصر عبر تاريخها لم تكن مجرد دولة ضمن خريطة العالم العربي، بل كانت دائماً البيت الكبير الذي يحتضن أشقاءه في الأوقات العصيبة، ويفتح أبوابه لكل من يحتاج إلى ملاذ آمن ، ولم يكن هذا مجرد شعار بل حقيقة راسخة تجسدت في مواقف لا تُحصى، حيث احتضنت مصر أبناء الأمة العربية في لحظات المحن، ووقفت إلى جانبهم دون تمييز.

واليوم مع ما يمر به اليمن من تحديات تواصل مصر دورها التاريخي حيث فتحت أبوابها للأشقاء اليمنيين، فكانت لهم وطناً ثانياً يشعرون فيه بالأمان والاستقرار، ولم يكن هذا الدعم مقتصراً على الاستضافة فقط بل امتد إلى توفير بيئة تساعدهم على استكمال حياتهم، سواء عبر تسهيل الإقامة والتعليم أو تقديم الرعاية الصحية، إيماناً بأن الأشقاء لا تُغلق في وجوههم الأبواب، وأن مصر كما كانت دائماً ستظل الحضن الدافئ الذي لا يتخلى عن أبنائه العرب مهما كانت الظروف.

إن هذا الموقف ليس جديداً على مصر، فقد كانت على مر العصور قبلة لكل من يبحث عن الاستقرار، وملاذاً لمن ضاقت بهم السبل في أوطانهم ،واليمنيون كغيرهم من أبناء الأمة وجدوا في مصر امتداداً لوطنهم، حيث لم يشعروا فيها بالغربة، بل كانوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي، يعيشون فيها بأمان، ويواصلون فيها حياتهم دون أن يشعروا أنهم بعيدون عن وطنهم، وهذه الروح المصرية المتجذرة في ثقافتها وهويتها، تعكس حقيقة أن مصر لم تكن يوماً دولة تعيش لنفسها فقط، بل كانت دائماً تحمل هموم أمتها، وتعمل على أن يكون الاستقرار هو القاعدة لا الاستثناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى