اخبارمقالات

طريق بايدن الإجباري إلى الرياض : صحوة متأخرة لإعادة التحالفات التقليدية أم واقعية سياسية تفرضها المصالح المشتركة.

-بقلم-محمد يحيى الدباء.

*رئيس قسم الدراسات السياسية بالمركز.

يقوم الرئيس الأمريكي “جو بايدن ” بزيارة رسمية إلى السعودية اليوم، يلتقي خلالها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يتبعها قمة “خليجية_أمريكية” يحضرها قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. تأتي الزيارة بعد فتور في العلاقات منذ مجيء إدارة الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض، حيث تشهد المنطقة حرباً منذ ثمان سنوات نتيجة انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية الذراع العسكري للحرس الثوري الإيراني على الحكومة الشرعية في اليمن. الحرب التي أجبرت الرياض على التدخل العسكري إلى جانب الحكومة اليمنية في مواجهة التهديد الإيراني لأمن واستقرار اليمن والخليج بشكل عام.

كما أنها  تأتي في ظل الكثير من المتغيرات على الساحة الدولية ، حيث مثل الهجوم الروسي على أوكرانيا دافع رئيسي لواشنطن لإعادة ترتيب تحالفاتها، وهو ما عزز لديها الرغبة في تحريك تحالفاتها التقليدية في العالم لعزل موسكو دوليا، إلا أن مساعي “واشنطن” ومحاولاتها لعزل روسيا لم يقابل بالاستجابة من قبل دول الخليج، قابله شك بأن “واشنطن” تخلت عن أصدقائها في دول الخليج لصالح إيران  التي تعمل على زعزعة أمن واستقرار المنطقة، اضطرت معها تلك الدول إلى تشبيك علاقاتها مع القوى الدولية البارزة ، روسيا والصين وتركيا . يبدو أن زيارة “بايدن”، تأتي لرأب الصدع، وتدارك متأخر لاحتواء أصدقاء “واشنطن” التقليديين.

وتشهد العلاقات “الأمريكية_ السعودية” تباينات عدة حول الكثير من الملفات، يأتي على رأسها الملف اليمني والتدخلات الإيرانية لزعزعة أمن واستقرارالمنطقة. وقد جاء التراجع الأمريكي في المنطقة منذ 2012 إلى إحداث فراغ كبير، استطاعت إيران عبر أذرعها الميليشاوية “مليشيات الحوثي الارهابية في اليمن والحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان” أن تعمل على زعزعة أمن واستقرار الإقليم، في ظل صمت مريب أحياناً من قبل الإدارات الامريكية، وتشجيع لإيران وأدواتها من قبل الإدارة الديمقراطية أحياناً أخرى.

وفي تدارك متأخر استنتجت “واشنطن” أنها تركت وراءها فراغا ملأته روسيا والصين، وإيران وتركيا وحتى دول أوروبية حليفة لها.

استطاعت “الرياض” من خلال السياسة البرجماتية التي ينتهجها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن تبني جسور علاقات متميزة مع عدد من القوى الدولية البارزة، وقد رأت في تشبيك علاقاتها مع تلك القوى الدولية البارزة سوف يسمح لها لتنويع مصادر تعاملاتها مع العالم، وبما يتناسب مع مصالحها، ويعطيها مساحة من القدرة على اللعب على التباينات على الساحة الدولية.

وتهدف زيارة بايدن إلى إعادة التحالفات الأمريكية التقليدية مع دول الخليج، إلا أن إعادة تطبيع العلاقة مع “واشنطن” المرتقب، لن يعود إلى التجانس الموجود سابقاً في ظل إتخاذ “الرياض” قراراً بتنويع العلاقات خصوصاً وأن معظم صادرات النفط السعودي تذهب إلى آسيا مقابل تراجعها نحو “واشنطن”، وقد اتخذت “الرياض” قرارات جريئة، تمثل في التوجه السعودي شرقاً تجاه الصين وروسيا إقتصاديا، وسياسيا، وعسكريا.

وباعتقادي أن السعودية لديها قيادة شابة محنكة تمتاز بالدهاء السياسي، ما يجعلها تتعاطى بإيجابية مع الهرولة الأمريكية تجاهها، لما تمثله من أهمية إستراتيجية لا بديل منها حتى اللحظة، فالمرونة السياسية لدى صانع القرار في “الرياض”، جعلها تتعامل مع العالم بثقة ومن مركز قوة، تركت الباب مفتوحاً لكل من يرغب التعامل معها في عالم متعدد الأقطاب.

من ناحية أخرى، يعتبر تقارب “واشنطن” مع “الرياض”، بمثابة عودة للواقعية السياسية التي كان يجب أن تنطلق من خلالها السياسة الخارجية الأمريكية. فالتقارب السعودي الأمريكي سوف يعزز من فرص بايدن ، وفرص حزبه الديمقراطي في الفوز في الإنتخابات النصفية  للكونجرس، وضمان استمرار “الرياض” في تقوية علاقاتها مع “واشنطن”، بدلاً من الاتجاه نحو “روسيا والصين”؛ لكن في المقابل لن يحصل تقارب بالشكل المطلوب يصبح معها اللجوء لخيارات صعبة هو المطلوب، وتحديداً،  تقديم التنازلات حول الملفات الشائكة، أهمها ملف مواجهة التمدد الإيراني في المنطقة وتحجيمها من خلال قطع أذرعها في المنطقة، وعند حصول “الرياض” على تعهدات واضحة وصريحة من “واشنطن”بشأن أمن  الخليج في مواجهة إيران ، فإنها سوف تتعامل بإيجابية مع التنازلات الأمريكية.

في الأخير تتحرك السعودية بقيادة ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” ببرجماتية كبيرة، مما قد يكون ذلك صادماً للإدارة الأمريكية نفسها. ومع ذلك فالدبلوماسية السعودية تمتاز بمرونة ودهاء سياسي لا يخلو من إتاحة مساحات لخلق موائمات تُعظم من المصالح السعودية وتوازن علاقاتها الدولية، ومن المرجح أن العلاقات بين “واشنطن” “والرياض” لن تلمس تقاربا حقيقيا، رغم الإشارات والنوايا التي تقدمها “واشنطن” حتى انتهاء الفترة الرئاسية لإدارة الرئيس الديمقراطي “بايدن”، وسيظل التعامل محكوماً في إطار خلق موائمات ومقاربات مع الدفع بتعزيز المصالح المشتركة، دون أن تجني واشنطن كافة أهدافها من الرياض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى