تحليلات

قراءة حقوقية في تقرير “القاتل الخفي” الصادر عن منظمة سام للحقوق والحريات

الكاتب | توفيق الحميدي

صدر تقرير “القاتل الخفي” عن منظمة سام للحقوق والحريات (ومقرّها جنيف) في يناير/كانون الثاني 2019، بوصفه أحد أكثر الأعمال الحقوقية إضاءة على مسار الاغتيالات الذي اجتاح مدينة عدن بعد عام 2015. التقرير لا يكتفي بوصف العنف، بل يعيد ترتيب معناه: من “حوادث” متفرقة إلى نمط سياسي وأمني يعكس أزمة سيادة، وانهيارا تدريجيا لفكرة الدولة نفسها. فهو يوثق 103 عملية اغتيال في محافظة عدن خلال الفترة الممتدة من 30 أغسطس/آب 2015 حتى 28 أكتوبر/تشرين الأول 2018، في محاولة لفهم كيف تحولت المدينة، التي وُعدت بالاستقرار بعد “التحرير”، إلى فضاء مفتوح للتصفية والإفلات من العقاب.

من هنا تبدأ المفارقة: عدن لم تكن تبحث فقط عن نهاية الحرب، بل عن بداية القانون. غير أن ما حصل، وفق ما يلمّح إليه التقرير بوضوح، هو أن لحظة ما بعد الحرب لم تُنتج مؤسسات أمنية وقضائية متماسكة، بل أنتجت سلطة هجينة، متعددة الأذرع، تتحرك خارج قواعد المحاسبة، وتستبدل الدولة بوظائف أمنية متفرقة. وفي هذا المناخ، لا يصبح الاغتيال حادثا طارئا، بل يصبح لغة صامتة لإعادة ترتيب المجال العام: من يُقتل لا يموت وحده، بل تموت معه وظيفة عامة، أو ذاكرة، أو قدرة على مساءلة القوة.

الأرقام التي يقدمها التقرير لا تُقرأ كبطاقة إحصائية، بل كخريطة استهداف. فمن بين الضحايا، يتصدر رجال الأمن القائمة بـ42 ضحية، أي نحو 45% من إجمالي الاغتيالات، يليهم الخطباء والأئمة بـ23 ضحية (25%)، ثم العسكريون بـ8 ضحايا (9%)، ثم فئات أخرى بينها عناصر مقاومة ونشطاء ووجاهات اجتماعية. هذا الترتيب وحده يكشف أن الاغتيال كان يذهب إلى العقد الحساسة في المدينة: الأمن أولا، ثم المنبر، ثم المؤسسة العسكرية. كأن رسالة الجاني المستفيد تقول إن السيطرة لا تبدأ من الشوارع، بل من تفكيك من يملكون القدرة على تنظيمها أو التأثير عليها.

غير أن العنف لا يقاس بمن قُتل فقط، بل بالزمن الذي تكرس فيه كظاهرة. وهنا يضع التقرير عام 2016 في موقع الذروة، مسجلًا 45 عملية اغتيال، أي نحو 48% من إجمالي الحالات، ثم يأتي عام 2018 بـ24 عملية (26%)، بينما سجل عام 2015 ثلاث عشرة عملية (14%)، وعام 2017 إحدى عشرة عملية (12%). هذه القفزة ليست رقما محايدا؛ إنها علامة على أن عدن دخلت مبكرا في مناخ التصفية، ثم تطور هذا المناخ ليصبح جزءً من إيقاع المدينة نفسه، لا يوجد مكان أو منطقة بعيدة عن يد الجاني: يهدأ أحيانا، لكنه لا ينتهي، لأنه يتغذى من ضعف المؤسسات وتعدد مراكز القرار.

ولا يقل المكان دلالة عن الزمن. فالتقرير يرصد تركزاً واضحاً للاغتيالات في مديرية المنصورة بـ45 حالة (48%)، تليها الشيخ عثمان بـ17 حالة (18%)، ثم خور مكسر بـ14 حالة (15%). وهذه ليست مناطق نائية أو هامشية، بل مناطق حيوية تمثل مركز الحركة اليومية والسكانية، وتداخل النفوذ الأمني. وحين تقع الاغتيالات بهذا التكرار في قلب المدينة، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: كيف يتحرك المنفذون في مناطق مشبعة بالحواجز والأجهزة، ثم يختفون دون أثر؟ في مدن الدولة، الجريمة تخاف من الكاميرا. وفي عدن ما بعد 2015، يبدو أن الجريمة كانت تتحرك وكأنها تعرف أن الكاميرا لا تتبع أحداً، بل ومن يدير الكاميرا لم يعد يخشى منه لسبب خفي.

من زاوية أخرى، تكشف أداة الاغتيال عن طبيعة المناخ الأمني. إذ إن 79 عملية من أصل 103 نُفذت بالرصاص (85%)، مقابل 5 عمليات بالعبوات الناسفة (5%)، و9 عمليات بوسائل أخرى (10%) مثل الخطف ثم القتل أو الهجوم المسلح. في العادة، يلجأ المنفذون للعبوات بوصفها وسيلة تقلل فرص الملاحقة، لكن التقرير يسجل أيضًا أن محاولات العبوات كثيرًا ما فشلت. أما الرصاص، فقد نجح، لأنه يُنفذ بسرعة ويغادر دون أن يشعر صاحبه بأنه ملاحَق. وهذا، في قراءة حقوقية وسياسية، ليس مجرد تفصيل جنائي، بل مؤشر على أن المنفذ لا يتحرك في فراغ أمني، بل يتحرك داخل فضاء يضمن له النجاة.

ولعل أكثر ما يلفت في التقرير هو أن العنف لم ينتظر سنوات كي يبدأ. فأول عملية اغتيال وثقها حدثت في 30 أغسطس/آب 2015، أي بعد 43 يوما فقط من إعلان تحرير عدن في 17 يوليو/تموز 2015. ويقرأ التقرير هذه الفترة بوصفها مدة كافية لترتيب شبكة جمع معلومات وتحديد الأهداف، ما يوحي بأن الاغتيالات لم تكن انفجاراً عشوائيا، بل انتقالاً من مرحلة حرب مفتوحة إلى مرحلة تصفية منظمة. ثم جاء يناير/كانون الثاني 2016 وحده ليسجل 18 عملية اغتيال، وكأنه الشهر الذي أعلن فيه العنف أنه سيصبح نظامًا، لا مجرد حدث.
غير أن أخطر ما في الاغتيال، ليس وقوعه، بل ما يتبعه.

فالتقرير يشدد على أن كثيراً من الجرائم قُيّدت “ضد مجهول”، وأن الأجهزة الأمنية لم تُظهر تعاونا كافيا، لإنها غير مؤهلة لتعاطي مع مثل هذه الجرائم، ولا تمتلك تقنيات توازي وتتجاوز تقنيات القاتل، إضافة إلى عنصر اختراق وتهديد لهذه الأجهزة من نافذين يدعمون هذه الشبكة، وهذا جعل الخوف يقيّد الأهالي والضحايا عن الحديث أو تقديم الشهادات. ويورد التقرير مثالاً دالاً: إعلان مدير أمن عدن شلال شايع أكثر من مرة القبض على منفذين، مع وعود بمحاكمتهم، دون أن ينعكس ذلك على مسار قضائي مكتمل. في مثل هذا السياق، يتحول الاعتقال إلى خبر عابر، وتتحول العدالة إلى احتمال مؤجل، بينما يُمنح الجناة أهم ما يريدون: الوقت.

هنا يبرز البعد السياسي الذي يضعه التقرير في قلب التحليل: فعدن، وفق مقدمته وخلاصاته، خضعت لواقع أمني تشكل تحت إدارة إماراتية عبر تشكيل قوات مسلحة خارج سيطرة الحكومة اليمنية. ومن هذا الباب، تصبح الاغتيالات جزءً من مشهد أوسع: مدينة تتعدد فيها القوى والولاءات، وتختلط فيها الدولة بالتشكيلات، وتتحول فيها السيادة إلى نص قانوني بلا أدوات. وبين هذه الطبقات المتداخلة، يصبح الإفلات من العقاب ليس ضعفًا فحسب، بل قاعدةَ اشتغال.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا عند ربط عام 2018 بسياق السيطرة الأمنية. فالتقرير يشير إلى أحداث يناير/كانون الثاني 2018 التي شهدت مواجهة بين قوات الحزام الأمني المدعومة إماراتيًا وبين ألوية الحرس الرئاسي، وانتهت بسيطرة الحزام على عدن. في لحظات كهذه، لا تكون الاغتيالات مجرد جرائم، بل قد تتحول إلى آلية لإعادة توزيع القوة داخل المدينة، وإقصاء الخصوم، وتصفية المساحات الرمادية التي تعيق اكتمال السيطرة.

لكن العدالة لا تُهزم فقط حين يتعدد السلاح، بل حين تُستهدف المؤسسات التي تنتج الحقيقة. فالتقرير يورد الهجوم على إدارة البحث الجنائي في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، والذي أوقع عشرات القتلى وفق بيانات رسمية، بينما نقل نشطاء أن الهدف كان إتلاف الملفات وتعطيل وظيفة البحث الجنائي. وهذه نقطة مفصلية: حين تُضرب ذاكرة الأدلة، يصبح بناء الحقيقة أصعب من مجرد القبض على متهم، وتتحول الجريمة إلى حدث متكرر لأن بنيتها تضمن عدم الوصول إليها.

وإذا كان الداخل يفسر جزءً من الصورة، فإن التقرير يفتح نافذة على البعد العابر للحدود. إذ يحيل إلى تحقيق صحفي دولي نُشر في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018، يتحدث عن تعاقد الإمارات مع مرتزقة لتنفيذ اغتيالات في اليمن. ليست هذه الإحالة عنصراً دعائياً، بل مؤشر على أن بعض الاغتيالات قد تكون جزءً من نموذج أوسع: خصخصة العنف السياسي، وإدارته بواسطة وسطاء، بما يجعل محاسبة الفاعل أكثر تعقيدًا، ويجعل الدولة أضعف أمام شبكات القوة التي لا تقيم وزنًا للمساءلة.

في النهاية، لا يترك تقرير “القاتل الخفي” القارئ أمام سردية خوف فقط، بل أمام سؤال سيادي كامل: ماذا يعني أن تُسجَّل 103 عمليات اغتيال في مدينة يُفترض أنها عادت إلى الشرعية، وأن يستمر القتل بآلياته نفسها، في مناطق محددة، وبأداة واحدة غالبًا، وأن يتكرر الإعلان عن ضبط متهمين دون محاكمات شفافة؟ الإجابة التي تفرض نفسها، وفق منطق التقرير، ليست أن عدن فقدت الأمن فحسب، بل إنها فقدت الدولة بوصفها عقداً اجتماعياً ومرجعية قانونية. وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح توثيق الضحايا ليس عملاً حقوقيا فقط، بل مقاومة ضد محو الحقيقة، وضد تحويل الجريمة إلى “اعتياد”، وضد ترسيخ نظام ظلٍّ يقتل ثم يطالب الناس بالصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى