
في الحروب هناك لحظات لا يكون فيها الخطر في ما يحدث على الأرض فقط وإنما في الطريقة التي يصل بها ما يحدث إلى الناس،وهذه نقطة مهمة جدا في قراءة المشهد اليمني خلال الأيام الماضية.
تدفقت معلومات كثيرة وظهرت روايات متباينة وتسابقت حسابات وناشطون ومغردون وبعض المنصات في نقل ما يجري لحظة بلحظة، شارك في ذلك إعلاميون أيضا، لكن المشهد لم يكن إعلاميا بالمعنى المهني وحده كان أوسع من ذلك بكثير.
كان هناك أفراد ينقلون ما يصل إليهم وحسابات تعيد النشر ومطابخ تعمل على إنتاج روايات وتوجيه النقاش وبين كل ذلك وجد المواطن نفسه أمام سيل من الأخبار والتوقعات والتفسيرات.
المشكلة ليست في أن يعرف اليمني ما يجري، المشكلة في أن يعرف عشر روايات مختلفة عن الشيء نفسه ولا يعرف أيها حقيقة وأيها توقع وأيها جزء من معركة نفسية.
وهذه المساحة تحديدًا هي التي يجب الانتباه إليها الحرب النفسية لا تحتاج دائما إلى خبر مختلق أحيانا يكفي أن تتكرر معلومة ناقصة، أو يُضخم حدث صغير، أو تقتطع واقعة من سياقها أو تتحول التوقعات إلى ما يشبه الحقائق ثم يبدأ الناس في بناء مواقفهم ومشاعرهم على أساسها.
مع الوقت يتحول القلق نفسه إلى خبر وهنا تصبح المعركة مختلفة الخصم يريد أن يؤثر في الميدان، لكنه يريد أيضا أن يؤثر في الإنسان الذي يتابع الميدان. يريد أن يجعله يشك ويخاف ويتوقع الأسوأ ويفقد الثقة في قدرة دولته ومؤسساتها على التعامل مع الأحداث.
وهذه أخطر نقطة في الحرب النفسية أن تصل المعركة إلى داخل الإنسان قبل أن تصل إليه من الخارج، الشعب اليمني تحمل سنوات صعبة ولذلك فإن الحفاظ على روحه المعنوية ليس مسألة ثانوية، هذا الشعب يحتاج إلى معرفة الحقيقة لكنه يحتاج أيضا إلى أن يشعر بأن هناك قدرة على إدارة اللحظة وأن ما يمر به مهما كان صعبا ليس نهاية الطريق.
المعنويات لا تعني أن نقول للناس إن كل شيء بخير
ولا تعني إخفاء الأخطاء أو منع النقد، المعنويات الحقيقية أن يعرف المواطن أن بلده يواجه ظروفا صعبة، لكنه لا يفقد ثقته في قدرته على تجاوزها.
ومن هنا تأتي أهمية الالتفاف حول المؤسسات اليمنية الوطنية وقيادتها قد يختلف الناس مع مسؤول، وقد ينتقدون قرارا أو أداء مؤسسة، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع لكن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى هدم لفكرة الدولة نفسها.
اليمن يحتاج إلى مؤسساته أكثر من أي وقت مضى الجيش، والأمن، والحكومة، ومؤسسات الدولة المختلفة ليست مجرد هياكل إدارية، هي الإطار الذي يحفظ للمجتمع قدرته على مواجهة الأزمات، ويمنع أن تتحول كل هزة إلى فوضى جديدة.
ولهذا فإن ضرب الثقة بهذه المؤسسات أو تصويرها بصورة العاجز في كل لحظة، يخدم الحرب النفسية أكثر مما يخدم أي نقاش وطني.
وفي المقابل المؤسسات نفسها مطالبة بأن تفهم طبيعة المرحلة
المواطن لا يستطيع أن يعيش في فراغ معلوماتي عندما تغيب المعلومة الرسمية، ولو لفترة تبدأ المنصات في ملء الفراغ وكلما طال الغياب، زادت مساحة الروايات غير الموثوقة.
لذلك فإن سرعة التواصل مع الناس وشرح ما يمكن شرحه ووضع الأحداث في سياقها، وعدم ترك الشائعات تعمل وحدها، كلها أمور أصبحت جزءا من حماية الجبهة الداخلية.
أما المواطن والناشط والمغرد وصاحب الحساب المؤثر فعليه أن يدرك أن الحرب تغير معنى ما ينشره.
ليس كل ما يصل إلى الهاتف يجب أن ينتقل منه إلى آلاف الهواتف، وبعض المعلومات الميدانية قد تكون صحيحة، لكن نشرها في توقيت معين قد يسبب ضررا لا يقصده صاحبها.
وقد تبدو تفاصيل صغيرة منفصلة لكنها عندما تجمع مع غيرها تكشف صورة أكبر
لهذا، فإن التريث ليس جبنا وانتظار البيان الرسمي ليس عجزا، وعدم إعادة نشر معلومة غير مؤكدة ليس تخلفا عن الحدث.
أحيانا يكون أكبر قدر من المسؤولية هو أن تقول: لا أعرف بعد، وهذه الجملة التي تبدو بسيطة أصبحت نادرة في زمن السرعة.
المستقبل يحتاج إلى هذا النوع من الوعي لأن ما حدث خلال الأيام الماضية قد يتكرر بصورة أكبر، وقد تظهر حملات أكثر تنظيما، ولن تكون جميعها واضحة أو مباشرة بعضها قد يأتي في صورة خبر، وبعضها في صورة تحليل وبعضها على شكل سؤال يبدو بريئا وبعضها من خلال مقاطع قديمة يعاد تقديمها على أنها جديدة.
والهدف في النهاية واحد: التأثير في طريقة تفكير الناس ولهذا يجب ألا يكون اليمني أسيرا لما يظهر على شاشة هاتفه، يتحقق قبل أن يصدق، وينتظر قبل أن يحكم، ويفرق بين الخبر والتحليل وبين المعلومة والتوقع وبين النقد الوطني ومحاولات ضرب الثقة.
الأهم أن يبقى المجتمع متماسكا.
فالخصم قد يستطيع التأثير في موقع، أو الضغط على جبهة أو صناعة أزمة مؤقتة، لكن تحويل هذه الأزمة إلى حالة عامة من الخوف واليأس يحتاج إلى مجتمع مستعد لتصديق أسوأ الاحتمالات.
وهنا يمكن للمجتمع أن يغلق الباب.
بهدوء.
وبوعي.
وبثقة في مؤسسات بلده مع الاحتفاظ بحقه الكامل في النقد والمساءلة ، اليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الصراخ، يحتاج إلى عقول هادئة ومجتمع يعرف أن الحرب النفسية جزء من الحرب وأن حماية المعنويات ليست ترفا، وأن الثقة بالدولة ومؤسساتها واحدة من أهم عناصر الصمود.
قد تتغير الوقائع على الأرض من يوم إلى آخر لكن أخطر ما يمكن أن تخسره أي دولة هو ثقة شعبها بنفسه وبمؤسساتها وبمستقبلها.
ولهذا فإن مواجهة الحرب النفسية تبدأ من الداخل:
من مواطن لا يمنح الشائعة عقله ومن ناشط يعرف متى يتوقف ومن إعلامي يحترم المعلومة ومن مؤسسة لا تترك فراغا، ومن مجتمع يعرف أن الاختلاف لا يعني الانقسام وأن النقد لا يعني هدم الدولة.
المعركة ليست فقط من يملك الأرض وإنما من يملك القدرة على الصمود حين تشتد الضغوط ، ومن يحافظ على وعي شعبه ومعنوياته وثقته بمؤسساته يحافظ على واحدة من أهم جبهات المعركة.



