مقالات

القبيلة.. الثابت الوحيد العابر للقرون والأجيال في وسط المتغيرات الجيوسياسية

الشيخ/ حسين علي عبدربه القاضي وكيل محافظة مأرب

في تاريخ الأمم، تتغير الدول وتتعاقب الأنظمة، وتُعاد صياغة الحدود والتحالفات، غير أن القبيلة هي الكيان الإجتماعي الوحيد التي تمتلك قدرة إستثنائية على البقاء والتكيف. وفي اليمن، تمثل القبيلة أحد أبرز هذه الثوابت؛ فهي المؤسسة الاجتماعية الأقدم، والأكثر رسوخاً، والأقدر على عبور التحولات السياسية والعسكرية والجيوسياسية دون أن تفقد جوهرها أو مكانتها.

لم تكن القبيلة اليمنية في أي مرحلة من المراحل تمثل رابطة نسب ، بل مثلت منظومة متكاملة من القيم والأعراف والروابط الاجتماعية، تعمل على حماية الإنسان وصيانة الكرامة وتحقيق التوازن داخل المجتمع. وقد أحتفظت بدورها منذ العصور القديمة، مروراً بعهد الإسلام والدول اليمنية المتعاقبة، وصولاً إلى الدولة الحديثة، مع تغير وظائفها وتطور أدواتها دون أن تنفصل عن جذورها التاريخية.

لقد كانت القبائل اليمنية، وفي مقدمتها قبائل مذحج مراد، وهمدان، وحاشد، وبكيل، وخولان، وحمير، وكندة، وغيرها، ركائز أساسية في بناء الحضارة اليمنية، كما كان لها حضور فاعل في التاريخ العربي والإسلامي، سواء في الفتوحات أو في صناعة موازين القوى السياسية والاجتماعية. وتظهر المصادر التاريخية أن القبائل اليمنية كانت بمثابة ركائز سياسية وإجتماعية ذات تأثير واسع قبل الإسلام، ثم تحولت بعده إلى ركائز إجتماعية حافظت على تماسك المجتمع وأسهمت في نشر الإسلام والدفاع عن الدولة الإسلامية والمشاركة في الفتوحات.

وتتميز القبيلة اليمنية بمنظومة أخلاقية أصبحت جزءاً من الهوية الوطنية، يتصدرها الكرم، وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، وحماية الجار، والوفاء بالعهد، والشجاعة، والنجدة، والفزعة، وإكرام الضيف، واحترام الكلمة، والالتزام بالأعراف القبلية التي شكلت عبر قرون طويلة قانون إجتماعي غير مكتوب، حافظ على الأمن الإجتماعي في كثير من المناطق عندما غابت مؤسسات الدولة أو ضعفت.

ولم تكن الأعراف القبلية اليمنية نقيضاً لفكرة الدولة، بل كانت في كثير من المراحل رافداً للإستقرار، إذ أسهمت في حل النزاعات، وحقن الدماء، وإقرار الصلح، وضبط العلاقات الاجتماعية، وهي وظائف تقترب في جوهرها من فلسفة القانون، وإن أختلفت في أدوات التنفيذ. ومن هنا فإن العلاقة التاريخية الصحيحة ليست علاقة صراع بين القبيلة والدولة، وإنما علاقة تكامل؛ فالدولة تؤسس للشرعية الدستورية والقانونية، بينما توفر القبيلة العمق الإجتماعي والثقافي الذي يعزز إحترام النظام ويمنحه إمتداد داخل المجتمع.

وقد أثبتت الأحداث المعاصرة أن القبيلة اليمنية بقيت صمام أمان في مواجهة مشاريع التفكيك والفوضى، إذ وقفت في محطات كثيرة دفاعاً عن الأرض والهوية والدولة، وأسهمت في حماية النسيج الإجتماعي، وحفظ التوازن في ظل الإنقسامات السياسية والحروب الممتدة.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تجاوز القبيلة أو إضعافها، بل في تحديث دورها بما ينسجم مع متطلبات الدولة الحديثة، وتحويل رصيدها الإجتماعي إلى قوة داعمة لمؤسسات الدولة وسيادة القانون، بعيداً عن التوظيف السياسي الضيق أو العصبية المذمومة التي نهى عنها ديننا الحنيف.

فالقبيلة التي حافظت على اليمن عبر قرون طويلة، قادرة اليوم أيضاً على أن تكون شريكاً في إعادة بناء الدولة، إذا ما أستندت إلى قيمها الأصيلة، وأستوعبت متغيرات العصر، وآمنت بأن قوة الدولة من قوة مجتمعها، وأن الدولة القوية لا تلغي القبيلة، كما أن القبيلة الواعية لا تنازع الدولة في إختصاصاتها.

وفي زمن تتبدل فيه الخرائط، وتتغير التحالفات، وتتعاقب المشاريع الإقليمية والدولية، تبقى القبيلة اليمنية أحد أهم الثوابت الوطنية عبر الأجيال؛ ليست بديلاً عن الدولة، ولا خصماً لها، وإنما عمود إجتماعي راسخ، ورافد من روافد النظام والإستقرار، وحاضنة للقيم العربية الأصيلة التي جعلت اليمن، منذ فجر التاريخ، مدرسة في الشرف والوفاء والتكافل والكرامة. ولذلك فإن الحفاظ على القبيلة بقيمها الأصيلة وربطها بمشروع الدولة الوطنية هو الإستثمار الحقيقي في المستقبل لأن اليمن لن ينهض إلا عندما تتكامل الدولة والقبيلة والمجتمع في مشروع واحد عنوانه العدل والوحدة والكرامة وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى