
حين كانت المدن تسقط كأوراق الخريف في مهب الريح، وكانت الكلمات تلوذ بالصمت خشية البطش، وحده تراب مأرب كان يتقن لغة الرفض، ووحده جيشها الوطني كان يكتب بالدم أبجدية الجمهورية التي كاد العالم أن يطوي صفحتها.
إن الذين يتسللون اليوم خلف ستائر الجحود، محاولين الإساءة لمأرب أو النيل من تضحيات أبطالها، ينسون -أو يتناسون- أن هذه الأرض لم تكن مجرد جغرافيا، بل كانت “قلب التاريخ” الذي ضخ الحياة في عروق اليمن حين أصابها الشلل.
لقد تحولت مأرب من محافظة هادئة إلى خندق كرامة يذود عن كرامة أمة بأكملها، وصارت جبالها ورمالها مقبرة لأوهام الكهنوت الذي ظن أن الطريق إلى إخضاع اليمنيين بات ممهداً.
إن الإساءة لمأرب اليوم هي نكران للذات قبل أن تكون نكراناً للواقع؛ فمن كان يجرؤ على الحلم بالجمهورية لولا الصمود الأسطوري لرجال الجيش الوطني ورجال القبائل الذين التحموا في خندق واحد بلا فوارق ولا رتب؟ أولئك الذين افترشوا الغبراء والتحفوا السماء في “الكسارة” و”المشجح” و”صرواح”، لم يكونوا يدافعون عن آبار نفط أو مكاسب زائلة، بل كانوا يحرسون فكرة “اليمن الكبير” من الزوال.
إن مأرب التي استقبلت المشردين بقلب مفتوح، وتقاسمت معهم رغيف الخبز وخيمة النزوح، هي ذاتها التي صدت عنكم وعن هويتكم موجات الظلام، فكيف يستقيم لعقل أن يجحد فضل من أجارَه حين لم يجره أحد؟
إن محاولات التقليل من دور الجيش في مأرب هي طعنة في صدر كل شهيد سقط وهو يهتف باسم اليمن، وهي محاولة بائسة لتعرية الجمهورية من آخر قلاعها الحصينة.
مأرب لم تسقط ولن تسقط، لأنها بنيت بيقين الأحرار لا بحسابات المترددين، ومن ظن أن استقرار الأوضاع اليوم يمنحه الحق في التطاول على تيجان الرؤوس، فعليه أن يدرك أن التاريخ لا يغفر، وأن بريق المناصب لا يغطي سواد النكران.
ستبقى مأرب هي الشاهد والشهيد، وهي السد الذي انكسرت عليه كل المؤامرات، فكفوا ألسنتكم عن “قدس أقداس” الصمود اليماني، فما زال صدى رصاص الأبطال هناك هو الضمان الوحيد لأن تظلوا “أحراراً” في وطن لا يقبل الانكسار.



