
شارك المهندس عبدالرحمن الصلاحي – نائب المدير الإقليمي لمركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية، في القاهرة في الندوة التي عقدت يوم أمس في مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية بالقاهرة والتي أعدّها البرنامج اليمني في مصر برئاسة الدبلوماسية بشرى الإرياني تحت عنوان:«الدور العربي في الحفاظ على وحدة اليمن وسيادة أراضيه».
وقال الصلاحي في كلمته:
يشرفني أن أشارككم هذه المداخلة وأنا أحمل هم وطني اليمن الذي يمر بمرحلة من أدق و أخطر المراحل في تاريخه الحديث، أتحدث إليكم اليوم من منطلق إيمان راسخ بأن اليمن لم يكن يومًا هامشًا في الجسد العربي، بل كان ولا يزال أحد أعمدته التاريخية والجيوسياسية، وأن الحفاظ على وحدته وسيادة أراضيه مسؤولية يمنية وعربية مشتركة.
إن انعقاد هذا الورشة برعاية مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية في القاهرة، عاصمة العروبة،وقلبها النابض وتحت عنوان يعكس جوهر التحدي، يمثل رسالة سياسية بالغة الأهمية مفادها أن اليمن ما زال حاضرًا في الضمير العربي، وأن قضاياه المصيرية لا يمكن أن تُترك لمنطق الأمر الواقع أو لمشاريع التفكيك والهيمنة.
إن وحدة اليمن وسيادة أراضيه تشكلان ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي العربي، فموقع اليمن الجغرافي، وإشرافه على باب المندب والبحر الأحمر، يجعلان استقراره عامل توازن حاسم لأمن الملاحة الدولية، وأمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي ككل.
وقد أثبتت التجربة أن إضعاف الدولة الوطنية في اليمن فتح المجال أمام تهديدات تتجاوز الحدود، وأتاح لقوى غير عربية إستغلال الفراغ السياسي والأمني بما يضر بالمصالح العربية الجماعية. ومن هنا، فإن الدفاع عن وحدة اليمن هو في جوهره دفاع عن الأمن القومي العربي.
لا يمكن تناول أي حديث جاد عن الدور العربي في اليمن دون التوقف عند الدور الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية فمنذ بداية الأزمة، أنطلق الموقف السعودي من ثوابت واضحة: دعم الشرعية اليمنية، والحفاظ على وحدة اليمن، ومنع إنزلاقه نحو التفتيت أو الارتهان لمشاريع خارجية.
لقد تعاملت المملكة مع اليمن باعتباره عمقًا استراتيجيًا وأخويًا، لا ساحة نفوذ أو تصفية حسابات، ويبرز ذلك في جهودها السياسية المستمرة لرعاية الحلول السلمية، ودعمها لمسارات الحوار، وسعيها الدائم للوصول إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ لليمن دولته ومؤسساته.
وفي الآونة الأخيرة قدمت الرياض نموذجاً فريداً في التوازن بين متطلبات الوحدة الوطنية وضرورات العدالة السياسية، مؤكدة أن الحقوق المشروعة لا تتعارض مع وحدة الأرض، بل تقويها وترسخها.
ومن هنا، فإنني أرى أن حل القضية الجنوبية العادل والشامل، المستند إلى مخرجات الحوار الوطني والمدعوم برؤية عربية حكيمة، هو المدخل الرئيسي والبوابة الوحيدة لأي حل سياسي شامل في اليمن، إنها القضية التي إن حُلت بحكمة وعدل، فإنها ستفتح أبواب الثقة المغلقة بين كل المكونات اليمنية، وستجفف منابع الصراع التي استغلت المظلومية لخدمة أجندات خارجية، وستؤسس لشرعية جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل والعدالة.
ان سلام اليمن الدائم لن يتحقق بمعاهدات توقع فوق جراح لم تندمل، بل بحلول جذرية تعالج أسباب النزاع من جذورها، والدور العربي الذي تقوده السعودية اليوم يضع يده على النبض الحقيقي، ويوجه البوصلة نحو الاتجاه الصحيح.
كما لا يمكن إغفال الدور الإنساني والتنموي السعودي، الذي عكس فهمًا عميقًا بأن استقرار اليمن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بإسناد الإنسان اليمني، والحفاظ على مقومات الحياة والكرامة، إلى جانب المملكة العربية السعودية، يبرز الدور المحوري لجمهورية مصر العربية في دعم وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضية. فان مصر بعمقها التاريخي ومسؤوليتها القومية ، تنظر إلى اليمن كأحد أعمدة الإستقرار العربي وأن أمنه يعتبر امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، خاصة في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر وباب المندب، فقد حافظت القاهرة على موقف سياسي متوازن وثابت، يؤكد على وحدة اليمن، ويدعم الحل السياسي الشامل، ويرفض أي مقاربات تنتقص من سيادة الدولة الوطنية.
إن المرحلة الراهنة تتطلب بلورة رؤية عربية أكثر تماسكًا تجاه اليمن، تقوم على:
1- التأكيد غير القابل للتأويل على وحدة اليمن وسيادته.
2- دعم الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية كإطار جامع لكل اليمنيين.
3- تعزيز التنسيق العربي السياسي والأمني لمنع التدخلات المهددة للهوية العربية لليمن.
4- الربط بين مسار السلام ومسار التنمية بوصفهما أساس الاستقرار المستدام.
من هنا، من على أرض مصر الحبيبة، نوجه تحية تقدير وعرفان للقيادتين السعودية والمصرية هذا الثنائي العربي الذي يمثل ميزان السياسة العالمية في المنطقة ككل.
فلتكن هذا الورشة بداية لطريق جديد، طريق الوحدة العربية الفعلية، التي تبدأ من إنقاذ اليمن، وتنتهي باستعادة أمتنا لمجدها الذي تستحقه.
أجدد شكري لمركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية ممثلا بمعالي اللواء أركان حرب / حمدي لبيب على إقامة هذه الورشة التي هي في الحقيقة امتداد لفعاليات سابقة في غاية الأهمية ، تعكس التزام أرض الكنانة بدورها القومي، وسعيها لإعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا.
كما أشكر كل الجهود العربية الصادقة، وأؤكد أن اليمن، شعبًا وتاريخًا، لن ينسى من وقف إلى جانبه في لحظته الأصعب.وشكرا لكم على حسن الإستماع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته





