عواصف التغيير: هل تملك إيران رفاهية الوقت في مواجهة الإنهاك؟
عادل مرزوق- البيت الخليجي للدراسات والنشر

لا يدور السؤال المركزي في طهران اليوم حول كيفية الالتفاف على العقوبات الأميركية أو المسارات الجديدة المبتكرة لتجاوز القيود المالية، بات السؤال أكثر تجذرًا وخطورة: هل ما زال هيكل الدولة الثقيل وبيروقراطيتها المتكلّسة، قادرين على الصمود أمام تآكل الجبهة الداخلية وتسارع التحولات الإقليمية والدولية؟
يوحي المشهد الإيراني الراهن بأن منطق “إدارة الأزمات” الذي اعتمدته الدولة منذ أكثر من عقد بلغ حدوده القصوى. فالاستجابة البطيئة وتراكم الأدوات المستهلكة وتآكل الثقة بين المجتمع والنظام، كلها عوامل تدفع إيران نحو لحظة اختبار بنيوية، لا يمكن تأجيلها بالمناورة أو بتكرار الخطاب نفسه. لقد أصبح التغيير في إيران ضرورة بقاء لا مجرد خيار سياسي.
نهاية صلاحية “إدارة العقوبات“
منذ إعادة فرض العقوبات الأميركية الشاملة بعد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي في 8 مايو/أيار 2018، بنت طهران مقاربتها الاقتصادية على فكرة التكيّف والتأقلم الطويل. اعتمدت على امتصاص الصدمة، إدارة ندرة الاحتياطات المالية (الدولار) والسلع وصولاً لتوزيع الخسائر على المجتمع مقابل الحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية. نجحت هذه المقاربة جزئياً في سنواتها الأولى، لكنها فقدت فعاليتها مع الانهيار المتواصل في قيمة الريال الإيراني واتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.
التضخم المزمن لم يعد رقماً في تقارير البنك المركزي، لقد تحول إلى تجربة بشعة يعيشها المواطن الإيراني في سلة الغذاء والإيجار والدواء. ومع كل موجة انخفاض جديدة للعملة، تتآكل القدرة الشرائية أكثر وتزداد المسافة بين الدولة والمجتمع. احتجاجات الشارع المتقطعة، حتى حين تخفت حدتها، تعبّر عن تراكم الغضب والتعب الذي يعيشه الإيرانيون.
سياسات الصبر الاستراتيجي والصمود لم تعد قادرة على حماية الفئات الاجتماعية الأضعف، ولا على الحفاظ على حد أدنى من التوازن الاجتماعي. ما كان يُقدَّم بوصفه تضحية وطنية مؤقتة، أصبح الإيرانيون ينظرون إليه كعبء دائم بلا أفق أو مردود.
لقد تحوّلت بيئة العقوبات إلى اقتصاد موازي مكتمل الأركان. الالتفاف على القيود المالية وعمليات تهريب العملة واستيراد السلع عبر وسطاء، كلها إجراءات خلقت طبقة جديدة من المستفيدين (تجّار الأزمات) وأسست شبكات مصالح ترتبط بمراكز النفوذ داخل الدولة. الدولة نفسها لم تعد تستطيع السيطرة على نخبتها، وهو ما يتضح في قضايا الفساد التي يعلنها القضاء الإيراني ذاته. هذا النمط من الاقتصاد صار جزءاً من آلية إعادة توزيع الثروة، والفساد في هذه البيئة ليس انحرافاً بل وظيفة طبيعية داخل الدولة. وبالنتيجة، أفرزت العقوبات، بنية مصالح داخلية تقاوم أي تغيير حقيقي لأنها، ببساطة، المستفيد الأكبر من استمرار الأزمة.
الأخطر من ذلك، هو تسبب هذه البيئة في نزع الشرعية الأخلاقية عن الدولة. إذ كيف يمكن إقناع المواطنين الفقراء بشدّ الأحزمة بينما تتضخم ثروات قلة محصّنة بقربها الوثيق من السلطة وبسلة الامتيازات التي تتمتع بها؟
خطاب المؤامرة وحدوده الاجتماعية
تفسير نظام الحكم في إيران للضغوط الاقتصادية الداخلية باعتبارها مؤامرات خارجية هي سياسة واستراتيجية تاريخية. ورغم أن بعض التدخلات الخارجية حقيقة يصعب إنكارها إلا أن هذا الخطاب فقد قدرته على إقناع الداخل. فالفقر والبطالة وقصص الفساد المكشوفة وقائع يومية لا يمكن ردّها بأنها نتيجة “أصابع خفية” لـ “الاستكبار العالمي” و”إسرائيل”. تشير دراسة بعنوان Oil rents shocks and corruption in Iran إلى أن شريحة واسعة من الإيرانيين باتت ترى أن سوء الإدارة والفساد هما السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية، وليس العقوبات نفسها. يؤكد هذا التحول في الوعي العام أن النظام السياسي في إيران يواجه أزمة في ترويج سردياته، وحين تفشل الرواية الرسمية في تفسير الواقع – وهو ما كان الإعلام الإيراني بارعًا فيه لعقود – تتآكل شرعية السلطة بصمت.
الدولة الثقيلة بطيئة القرار
تعاني إيران من مفارقة واضحة ما بين جهاز سياسي وأمني شديد الفاعلية في الضبط قبالة جهاز اقتصادي وإداري يعاني من الجمود. هذا الثقل في الحركة يجعل الاستجابة للتحولات الجيوسياسية بطيئة ومجزّأة. في عالمنا هذا الذي يتغير بسرعة، تبدو الكلفة الزمنية للقرار السياسي عنصراً حاسماً، وفي هذا السياق، يخطئ بعض المحليين في تفسير هذا الثقل والإشادة به عبر استعارات متكلفة لصانع السجاد الماهر أو أن البطء دلالة على الفطنة والحكمة الفارسية.
اليوم، يبدو الرهان على استنزاف الخصوم أو على تغيّر المزاج الدولي رهان خاسر. تتبدل موازين القوى في الإقليم والتحالفات يُعاد تشكيلها، والاقتصاد العالمي يدخل مرحلة إعادة تموضع. بقاء إيران في وضعية الدفاع السلبي قد يوفّر لها وقتاً قصيراً لكنه، بالتأكيد، يراكم خسائر استراتيجية على المديين المتوسط والبعيد.
تشير دراسة تحليلية إلى أن متوسط أعمار كبار المسؤولين في الحكومة والمؤسسات الدينية العليا في إيران يتجاوز سن الستين، حيث تتقدم النخبة السياسية الإيرانية في مؤسسات السلطة في العمر مقارنة بمجتمع متوسط أعمار مواطنيه أقل من منتصف الثلاثينيات. لا يقتصر تقدم العمر على النخب السياسية بل يمتد إلى أغلبية العاملين في مؤسسات الدولة السيادية.
لا تقتصر دلالة هذا الاختلال العمري على البعد الديموغرافي، وهي تؤثر، بشكل مباشر، على قدرة النظام على الاستجابة السريعة والتكيّف مع الصدمات. تشير هيمنة هذا الجيل المتقدّم في العمر على مفاصل القرار إلى أن عقل دولة مشدود إلى خبرات الماضي أكثر من استشرافات المستقبل، كما تميل هذه النخب إلى منطق التحوّط والانتظار عوض المبادرة والمخاطرة. هذا الفارق الزمني بين نخبة تحكم بمنطق السبعينات والثمانينات، يُنتج فجوة إدراكية تُبطئ دورة القرار وتُعقّد تمرير الإصلاحات وتُضعف القدرة على اتخاذ قرارات جذرية في لحظات الضغط.
ومع تعقّد الأزمات وتداخلها، يتحوّل البطء المؤسسي من عامل استقرار إلى هشاشة تحدّ من قابلية الدولة لإعادة التموضع، ما يجعل أي تغيير حقيقي مؤجلاً ومكلفًا، وربما متأخرًا عن لحظة الجدوى السياسية.
دول الخليج العربية: من ساحة صراع إلى بوابة إنقاذ
يبرز محيط إيران على شواطئ الخليج بوصفه متغيراً حاسماً في معادلة الخروج من هذا المأزق. التقارب مع دول الخليج، وبالخصوص السعودية، يشكّل اليوم فرصة سياسية واقتصادية نادرة لإيران.
يمكن للمصالحة مع دول الخليج أن تكون طريقاً مختصرة لإيران في تجاوز عزلتها السياسية والاقتصادية. إن استثمار إيران لعلاقات دول الخليج الوثيقة بواشنطن يمكنها أن تفتح لها أبوابًا حقيقية. أكثر من ذلك، يمكن لهذه العلاقات أن تفتح قنوات الاستثمار والتجارة، وهو في المحصلة ما سيعيد إدماج إيران في محيطها الطبيعي بدلاً من الارتهان لمسارات التفاف بعيدة ومعقّدة أثبتت فشلها.
تحليل صدر مؤخرًا عن International Crisis Group يشير إلى أن خفض التوتر الإقليمي لإيران، ومن بينها دول الخليج، لا يقل أهمية عن أي تفاوض نووي، مشيرًا إلى أن “كلفة الصراع المستمر تستنزف موارد الدولة الإيرانية”.
هذا المسار لا يقتضي مطالبة إيران بتغيير نظامها السياسي بقدر ما يشير إلى فهم تعقيدات اللحظة الإقليمية وضرورة إعادة تموضعها فيها. وهو ما لن يحدث إلا عبر الانتقال من منطق الصراعات المفتوحة إلى منطق إدارة الكلفة، وبالنتيجة، من منطق استثمار إيران المفرط في أدوات النفوذ الخارجي إلى الاستثمار في الاستقرار الداخلي.
المجتمع والصبر المنهك
ما يحدث في إيران اليوم هو تفكك تدريجي في العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، ذلك العقد الذي يقوم على مقايضة التضحية والصبر مقابل الأمان والحد الأدنى من الاستقرار. هذه المقايضة فقدت معناها مع تآكل شروطها المادية، ومع عجز الدولة عن تقديم أفق اقتصادي أو اجتماعي مقنع.
لقد انهارت فكرة “الصبر الثوري” بوصفها رصيدًا سياسياً قابلاً للتوظيف؛ لم يعد الصبر يُقرأ كتعبير عن وعي أو التزام أيديولوجي بل كحالة إنهاك مفروضة بلا مقابل. ومع اتساع الفجوة بين وعود الدولة وتجربة الحياة اليومية الشاقة، تحوّل الإحباط الاجتماعي من حالة كامنة إلى عامل ضاغط يقوّض أسس الاستقرار نفسه، ويجعل أي تأخير إضافي في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع مخاطرة سياسية مفتوحة النتائج.
إن الاستقرار القائم على الضبط الأمني لا ينهي مشاكل إيران، بل يجعلها أقرب للانفجار في أي لحظة، وهو ما لا يحتاج إلى تدخل أي قوى خارجية.
تستطيع طهران الصمود عاماً إضافياً تحت العقوبات، لكن السؤال ما إذا كانت إيران تملك رفاهية الوقت.
يمكن القول إن البطء في الإصلاح والتغيير، الذي لطالما كان خياراً تتباهى به الدولة ومؤيدوها، سيتحول إلى عبء قاتل في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية مع التحولات الإقليمية المتسارعة. وعليه، تقف إيران اليوم أمام مفترق طرق، ما بين إعادة تموضع ذكية تعيد وصل الداخل بالخارج أو الاستمرار في إدارة أزمة تتآكل معها الدولة من الداخل.



