مقالات

عن تناقضات محمد عزان والتذاكي المكشوف

الكاتب | عبدالله المنيفي

تابعت حوار محمد عزان مع عبدالله المديفر على قناة روتانا خليجية، وهو أحد أبرز من بذروا بذرة الحوثية الأولى، ثم اطلعت بعدها على منشوراته وتعليقاته على منصات التواصل الاجتماعي، وهو في كل هذا الظهور، يحاول تقديم نفسه في صورة المفكر والباحث الزيدي، الذي يرفض الحوثية، غير أن مبالغاته في الفذلكات، كشفت أكثر مما غطت، وأبانت عن تقديمه صور وطرائق لتقديم الحوثية بصورة مغايرة، ومحاولات بائسة لتلميعها، لا لتقديمها بالصورة الحقيقية التي هي عليها.

لن أخوض في الجدل الفكري فيما يتعلق بالهاشمية السياسية، والمذهب الزيدي، وليس هذا مجالي، ولكن ما لفت انتباهي هي بهلوانية محمد عزان، وتلاعبه بالألفاظ والحقائق، ويكفي في هذه العجالة أن أقف على بعض منها.

يستميت عزان في خدمة الحوثيين في أحاديثه وكتاباته، وطغى عليه في الفترة الأخيرة شعور أنهم منتصرون، فراح يدافع عنهم بصورة غير مباشرة، بالتقليل من مخاطر أفكارهم التي يعتنقونها، والمتمثلة في عنصرية البطنين، ومقارنتها بأفكار وآراء عفا عليها الزمن وصارت جزءً من التراث الفكري المدفون في بطون الكتب.

وبعيداً عن القضايا الفكرية التي يخوضها، فهو إنما يبعثها ليضعها موضع المقارنة مع الأفكار التي يراد لها اليوم أن تفرض بقوة السلاح للتغطية على جرائم وانتهاكات وممارسات همجية بربرية تقترفها مليشيا الحوثي، ولذلك يجد من المناسب اثارة قضايا فكرية، تبعده عن إدانة جرائم الحوثيين.

فمثلاً، أتحدى عزان أن يدين حصار المليشيا لمدينة تعز وقصفها للمدن والقى وقتلها للمدنيين، ومن قبلها عدوانها على عدن ومأرب وغيرها من المحافظات، أو أن يستنكر اعتداءاتها على المملكة والمقدسات، أو أن يطالب بنزع سلاح المليشيا، وفق القرارات الدولية، وكواحدة من متطلبات الحل السياسي السلمي، الذي يدعي أنه لا حل للصراع القائم في اليمن إلا عبره، ويرى أن الحرب ليست حلاً، كنوع من التذاكي المكشوف، لإخفاء مخاوفه من انتصار اليمنيين على المشروع الذي يمثل عزان أحد وجوهه.

أحاديث عزان وكتاباته، تنبئ عن خشيته على مصالحه في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، وقصره في العاصمة المختطفة صنعاء، الذي يحميه الحوثيون، وهذه المصالح، هي التي جناها من تذاكيه وتنقلاته خلال حروب صعدة، وزياراته المتكررة للرئيس السابق علي عبدالله صالح، والجنرال علي محسن، حين كان موقناً حينها أن المشروع الحوثي آيل للسقوط، وقبل أن تتغير قناعاته مع استعادة الحوثية لأنفاسها ووصولها إلى عمران وصعدة، ليبدأ مرحلة من التحذير من خطر مواجهة المشروع الحوثي السلالي عسكرياً، وما يزال حتى اليوم.

ما لاحظته أيضاً أن عزان عندما يرى الناس ينتقدون أي جريمة يرتكبها الحوثيون يذهب للبحث في كتب التاريخ عن جرائم لحكام غابرين ليقلل من جريمة ما ارتكبه الحوثيون، وهو سلوك دأب عليه كثيراً وبالغ فيه حتى أصبح مكشوفاً.

ومن جانب آخر يغرق عزان في التناقضات الصارخة، فبينما هو غارق في التاريخ، نجده يدعو الناس لمغادرته، وكل ذلك من أجل أن تبدو الحوثية أقل بشاعة مما يراها اليمنيون والإقليم والعالم، مع أنه يعلم قبل غيره أن منطلقات الحوثيين فيما يقترفونه من جرائم وقبح، كلها تأتي مما أصله أئمتهم السابقون، الذين يستميت عزان اليوم في الدفاع عنهم.

وبالعودة إلى الماضي، فعزان هو أحد مؤسسي تنظيم الشباب المؤمن، وهو تنظيم طائفي يخدم المشروع السلالي، والذي شكل نواة مليشيا الحوثي، لكن عزان حين اندلعت حروب صعدة، وأيقن أن المشروع متهاوي، انحاز إلى حيث يجد مصالحه، ثم حين استقوت المليشيا لأسباب داخلية وخارجية، ذهب إلى الدفاع عنها ولكن من المعسكر المقابل.

هو اليوم يقدم نفسه رأساً في الزيدية، والحقيقة أنه لا شيء، فالزيدية محركاتها وأساساتها قائمة على كيان سلالي، وما عداه فشيعة وخُدام وعكفة، وعزان لا يزال اليوم كما هو عند بداياته في الثمانينات، شيعيا لهواشم ضحيان، وهو الذي أسس تنظيم الشباب المؤمن لخدمة الفكر السلالي ودافع عنه في كتبه ومقابلاته، وفي كل مرة يوبخونه فيها لأنه ابتعد عنهم حين أدرك نهاية مشروعهم، يعود معتذراً.

وخلاصة أحاديث محمد عزان وكتاباته، أوصلتني إلى قناعة، أن الرجل الذي تكسب من حروب صعدة، لا يزال اليوم يتكسب من الحرب التي يدعو لإيقافها لصالح الجماعة السلالية، وأن محاولات تقديم نفسه -عبثاً- كزيدي ناعم لم تعد تنطلي على الذين عرفوه.

أما محاولات تقديم نفسه كواجهة زيدية يمكن أن تؤثر وتشق الحوثيين وأنه يستطيع كسب قطاع واسع من الزيود، فهي من قبيل العبث، فالرجل عاجر عن كسب أقرب أٌقاربه الذين يقاتلون في صفوف مليشيا الحوثي، وما يحسنه فقط هو كسب المزيد من الأموال، وتقديم سرديات تمكن الحوثي من كسب الوقت لصالح مشروعهم.

منذ خروج مليشيا الحوثي من صعدة وفي طريقها إلى عدن، فجرت في طريقها المئات من المنازل، ودور العبادة ومؤسسات تعليمية، وطوال هذه السنوات ومع كل هذه الانتهاكات المروعة لم يجد محمد عزان وقتاً لإدانة هذه الجرائم غير المسبوقة، لكنه يكرس وقته وجهده وفذلكاته في تسفيه الأطراف الوطنية التي تقف في مواجهة مليشيا الحوثي، ليبدو محمد عزان رغم كل ما بذله طوال سنوات من تسويق نفسه كواجهة زيدية معتدلة تختلف عن الحوثية، غارزاً قدميه فيها، دون أن يفوت فرصة الكسب، أي كسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى