تحليلات

”فخ تاريخي”.. الزيدية والحوثية

الكاتب | نبيل صلاح

تابع الكثيرون لقاء محمد عزان مع الإعلامي عبدالله المديفر، وكيف ظهر عزان بشخصية هادئة، منفتحة، وناقدة للنسخة الحوثية الراديكالية. للوهلة الأولى قد يبدو عزان النقيض الفكري لحسين الحوثي، والنسخة “المعتدلة” التي يمكن الرهان عليها داخل بيئة الزيدية أو هكذا يُقدم للمشاهد. لكن بقراءة أعمق، متجردة من سحر الخطاب الهادئ، نكتشف أننا أمام فخ تاريخي يُعاد إنتاجه، وأن الإشكالية الحقيقية ليست في “حسين” أو “عزان”، بل في الجذر الذي أنجبهما معاً.

عند النظر في جوهر الخلاف بين محمد عزان وحسين الحوثي، نجده خلافاً فرعيا يقف عند نقطة واحدة لاتتجاوز مسألة التنافس على إعادة إحياء هذا الإرث واستخدامه وتزعمه، فالخلاف حول التخفيف والتشديد في الأراء الفرعية من البطنين الى شروط الإمام الزيدي من مطابقة الجعفرية الى عدم مطابقتها بالكلية من نموذج عبدالله بن حمزة الى نموذج المطرفية الزيدية نفسها، من تكفير الصحابة الى عدم تكفيرهم، من الموروث الى التجديد ببعض الأدوات يعني خلاف في فرعيات وفي التكتيك والتفاصيل، قد يختلفان في “متى” ترفع السلاح، أو “كيف” تسوق فكرة أهل البيت، أو “ما هي” حدود صلاحيات الإمام، لكنهما يقفان على أرضية واحدة.

التاريخ اليمني يخبرنا بوضوح إن الإمامة لم تأتِ من فراغ بل وُلدت دائماً من داخل الزيدية نفسها. الزيدية نظرية تسلط سياسي عنصري واستبدادي كهنوتي وليس مذهب فقهي كبقية المذاهب المسالمة، بل “البيضة” أو “الفقّاسة” التي كلما نضجت ظروفها، أفرخت لنا إماماً جديداً يجر اليمنيين إلى دورات دموية من الحروب الطاحنة، سواء ضد اليمنيين الرافضين لحكمه، أو في صراعات الأجنحة داخل المذهب نفسه.

مهما حاول عزان تقديم قراءة عقلانية وناعمة، وتجاوز فكرة “البطنين” واعتبارها مرحلة تاريخية، فإن العيب الخلقي في بنية الفكر الزيدي يظل قائماً، ألا وهو “التفضيل والتمييز العنصري”.

الفكرة المركزية التي تمنح سلالة معينة قداسة أو أفضلية ففي الفهم والقداسة في الصفة لشخوصها أو استحقاقاً في التوجيه سواء سميناها إمامة متوكلية رسية قاسمية أو ولاية مع الحوثي، أو مرجعية روحية وتاريخية مع غيره هي جوهر المشكلة. هذا التمييز العنصري المغلف بالدين موجود في صلب الزيدية بكل فروعها وتفصيلاتها. النسخة الناعمة (مثل نسخة عزان) ليست سوى مرحلة “كمون” أو تخدير، تحتفظ بالأرومة .. بالجينات العنصرية وتورثها للأجيال، حتى تأتي اللحظة المناسبة لتنفجر في شكل حركة مسلحة.

خطورة محمد عزان تكمن في أنه يحاول إضفاء “شرعية جديدة” و”وجهاً حسناً” لفقّاسة الإمامة، محاولاً إقناعنا بأن الحوثية هي “انحراف” عن الزيدية، بينما يثبت تاريخ اليمن لأكثر من ألف عام أن الحوثية هي “النتيجة الطبيعية والمباشرة” للزيدية. كل الأئمة الذين دمروا اليمن عبر التاريخ لم يكونوا حوثيين، بل كانوا زيوداً تخرجوا من ذات المدرسة التي يدافع عن أسسها عزان.

وبعيداً عن الغاية من تصدير عزان في هذا الوقت للواجهة مشكلة اليمنيين اليوم ليست في البحث عن “زيدية معتدلة” أو “إمام مؤدب ومثقف” مثل محمد عزان كبديل ل “إمام أو ولي” راديكالي وعنيف مثل حسين أو عبدالملك الحوثي. مشكلة اليمنيين هي في “الفقّاسة” نفسها التي تفرخ ثنائية (السيد والتابع).

الزيدية مشروع حرابة والحل لا يكمن في ترقيع المذهب أو تجميله، بل في الإطاحة بهذا الموروث العنصري الكهنوتي من جذوره، والخروج من هذه الدوامة التاريخية بالكامل نحو استعادة “الجمهورية” الحقيقية؛ حيث لا قداسة، ولا تفضيل، ولا اصطفاء لأحد، وحيث اليمني متساوٍ مع أخيه اليمني في المواطنة الكاملة، بعيداً عن أوهام السلالة و”فقّاسات” المجرمين والكهنوتيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى