قراءة تحليلية: ”القبيلة.. من المقاومة وبناء التوازن إلى المطالبة بالحقوق والعدل”
حسين الصادر - نائب رئيس مركز البحر الأحمر للدراسات

يمكن قراءة مشهد “مطارح الريان” بوصفها محطةً مفصليةً؛ وإن كان انطلاقها قد جاء استجابة لنداء النكف الذي أطلقه الشيخ حمد فدغم الحزمي، إثر تجاوز مليشيات الحوثي للأعراف القبلية، والتعدي على حق امرأة استجارت طلبًا للإنصاف، إلا أن تحليل امتداد هذه الاستجابة على نطاق واسع، الذي شمل مختلف الجغرافيا اليمنية، وتجاوز انقسامات الصراع والحزب والمنطقة، يكشف عن أثر تراكمي لأزمات متراكمة أفرزت، في المحصلة، معادلةً جديدةً في بنية الفعل السياسي اليمني.
واقعياً، لم يعد ما يُطرح اليوم في هذه المطارح مجرد رد فعل ظرفي، بل يمكن تحليله باعتباره تمثيلًا لصوت قبلي نقي، يحمل في طياته تعبيرًا فطريًا عن وجدان المجتمع، سبق في بروزه اللحظات التي تصوغ فيها الأحزاب حساباتها السياسية. وهذا يشير إلى أن الفعل القبلي هنا أصبح مؤشرًا دالًا على حالة غضب شعبي واسع، لا يمكن اختزاله في سياق سياسي ضيق.
وباستحضار التاريخ القريب، يبدو هذا التحرك موازيًا لديناميكية مشهد عام 2015، حين استنفرت قبائل مأرب، وخرجت إلى المطارح رغم اختلال ميزان القوة، لتؤسس مقاومةً صلبةً. وتحليليًا، كانت تلك الخطوة هي العامل الفاعل في إيجاد التوازن الذي شكّل حجر الزاوية في احتواء النفوذ الإيراني؛ فالتضحيات التي قُدمت في معارك غير متكافئة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت تهيئةً للبيئة السياسية والعسكرية التي أنتجت ذلك التوازن، وهو ما يفسر كيف تحولت القبيلة من كيان اجتماعي إلى رافعة استراتيجية.
أما في المشهد الراهن، فإن وقوف مطارح الريان دفاعًا عن الأعراف القبلية (التي تُعلي من شأن مناصرة الأضعف)، يُقرأ في سياق أوسع؛ إذ يعكس حجم الاستجابة حالة رفض شعبي متنامية للممارسات التي تنتهك الحقوق والكرامة، ويشخّص بوضوح تراجع الثقة في جماعة صنعاء. وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن هذا الحراك مع كشفه، في أحد وجوهه، عن عمق التشظي السياسي الذي يعيشه اليمن؛ إذ تبرز من خلاله محدودية الخطاب النخبوي، وما زالت الفجوة قائمة بين الفاعلين الاجتماعيين في الميدان والنخب السياسية التي لم تنجح بعد في إنتاج خطاب جامع يستوعب هذه التحولات، أو يضمها في رؤية سياسية متماسكة.
يُعد هذا التجمع امتدادًا موضوعيًا لصوت القبيلة المقاومة؛ فمن “نخلاء” و”السحيل” في بداية الصراع، حيث أسهمت القبيلة في بناء التوازن، أما ,, تجمع الريان” اليوم، يرتفع من خلاله الصوت القبلي مطالبًا بالحقوق والعدل. وتحمل هذه الرحلة المكانية في طياتها استحضارًا رمزيًا لمعاني “حلف الفضول” التاريخي في نصرة المظلوم. ويمكن تحليل ذلك بأن مصفوفة القيم الخيّرة في المجتمعات القبلية، التي تولي أهميةً كبرى لحماية الفئات الأضعف، كالمرأة عند الاستجارة، أصبحت تشكّل هجينًا اجتماعيًا يجمع بين الامتداد التاريخي لتلك القيم، وفكرة المناصرة المدنية الحديثة.
وبقراءة مضمون هذا الحراك، يتبلور رأي عام شعبي واضح مؤداه أن أي سلام قادم لا يمكن أن يقوم على هيمنة العنف أو سردية الحق المقدس، بل يُفترض أن يرتكز على العدالة واحترام الحقوق، كشرط أساسي لقبوله. وهنا تكمن الدلالة العميقة لتجاوز القبيلة آثار انهيار الدولة عام 2015؛ إذ بعد أن أسهمت في ترجيح ميزان الصراع وبناء التوازن، تعود اليوم ليس بوصفها طرفًا حربيًا، بل عاملًا فاعلًا في رسم ملامح سلام عادل، يبتعد عن السرديات التي أفضت إلى تهميش حقوق الأغلبية. ومع ذلك قد تضطر للحرب اذا فرضت عليها للدفاع عن القيم والمبادئ التي تدافع عنها …
ولعل ما يميز حراك “جمع الريان” أنه تجاوز فعليًا الكثير من السرديات الجهوية، ومن المرجح، في ضوء تحليل مساره، أن يكون قادرًا على تجاوز السرديات الأخرى التي أسهمت في إنتاج مناخ العنف والانقسام، شرط أن يحافظ على زخمه المطلبي بعيدًا عن الاصطفافات الضيقة.
ختامًا، تؤكد القراءة التاريخية أن القبيلة اليمنية ليست كيانًا هامشيًا، بل قوة فاعلة في صناعة الحضارات، تختزن هوية اليمن وتاريخه. وكما نجحت بالأمس في بناء التوازن السياسي والعسكري، فإنها تمتلك اليوم، في سياقها التحليلي، فرصةً موضوعيةً للإسهام في ترسيخ قيم العدل وبناء سلام أكثر رسوخًا.



