اخبارالإصداراتمقالات

المنطقة الرمادية والأمن الغذائي العالمي

بشرى الإرياني*

ساهمت الأزمة الروسية ــ الأوكرانية  فى استعادة حلف شمال الأطلسي “الناتو” لمهمته التأسيسية المتمثلة في دعم منظومة الأمن الجماعي الأوروبي ضد روسيا، وهو ما تجلّى في تكاتف دول الحلف في تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، وزيادة إنفاقهم الدفاعي، وفرض عقوبات صارمة على “موسكو”.

وفي هذا الصدد، بالرغم من أن الصراع الروسي في أوكرانيا أظهر قوة الحلف، وقدرته على تبنِّي استجابة سريعة وفعالة، فإن إنهاء الأزمة الأوكرانية الراهنة يتجاوز حدود تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، ويفرض على دول حلف “الناتو” انتهاج استراتيجية دبلوماسية لوقف إطلاق النار، ودفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات؛ حيث إن استمرار تلك الحرب من شأنه إلحاق المزيد من الخسائر بأوكرانيا، فضلًا عن إضعاف حلف “الناتو” من الداخل، وزيادة اضطرابات الاقتصاد العالمي، واستمرار أزمة الغذاء العالمية.

على صعيد آخر، تأتي  التداعيات السلبية لاستمرار الحرب الروسيةــ الأوكرانية على “واشنطن”، من حيث تشتيت قدرة الإدارة الأمريكية على حل المشكلات الداخلية، لا سيما الاقتصادية منها، وهو ما يُلقي بتداعياته على تراجع فرص فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وزيادة فرص هيمنة الجمهوريين على تلك الانتخابات، الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع مكانة “واشنطن” العالمية.

وفى ظل استمرار تلك الأزمة يُلقي بتداعياته أيضًا على زيادة أعداد اللاجئين إلى أوروبا، سواءً من أوكرانيا أو إفريقيا؛ مما قد يسهم في زيادة سيطرة الشعبويين على الحكم في أوروبا، ومن ثمّ، تقويض الديمقراطيات الأوروبية جراء التداعيات الاقتصادية والسياسية لهذه الأزمة، لا سيما في ظل أزمة الطاقة العالمية.

وعلى صعيد آخر، هناك  ضرورة التركيز على تعزيز الأمن في “المنطقة الرمادية”، وهي الأراضي الواقعة بين حلف “الناتو” وروسيا، من خلال التأكيد على الحياد الدائم للدول الواقعة في هذه المنطقة، مع توفير الضمانات الأمنية اللازمة لحمايتهم من أي اعتداء روسي محتمل، وأوضح أن تسوية المشكلات العالقة بين الغرب وروسيا في المنطقة الرمادية من شأنه دعم التسوية السلمية للأزمة الأوكرانية.

ختامًا، يجدر الانتباه إلى أن استمرار الصراع الروسي ـ الأوكراني يُلقي بتداعياته السلبية على مجموعة واسعة من الملفات الحيوية، من بينها الأمن السيبراني، والأمن الغذائي، وسلاسل التوريد، وتزايد معدلات الهجرة، الأمر الذي يتطلب تحقيق التكامل الجيوسياسي والجيواقتصادي بين دول حلف “الناتو” والاتحاد الأوروبي؛ لمعالجة هذه التهديدات التي تقوِّض الأمن الأوروبي.

* دبلوماسية يمنية – ومستشار لدى مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى