مقالات

إيران في ميزان ثالوث التهديد: الشيعي، الثوري، النووي

الكاتب | د. عمر منصر

ينظر كل طرف إلى إيران من زاوية مختلفة تعكس خلفياته وهواجسه الخاصة؛ فمن منظور عقائدي، تُرى إيران بوصفها دولة شيعية تحمل مشروعاً مذهبيًا يسعى للتمدد، ومن منظور أيديولوجي ثوري تُفهم سياستها باعتبارها امتدادًا لمبدأ “تصدير الثورة”، أما من زاوية استراتيجية، فتُختزل المخاوف في طموحها النووي وما يحمله من تداعيات على توازن القوى الإقليمي والدولي.

غير أن تصور هذا التهديد ليس موحدًا، إذ يتباين بوضوح بين العرب وإسرائيل والغرب؛ حيث تختلف الأولويات والقراءات لطبيعة المشروع الإيراني وأهدافه؛ فما يعتبره طرف تهديدًا وجوديًا، قد يراه آخر مجرد منافسة إقليمية أو ورقة تفاوضية.

بعد أكثر من أربعة عقود على قيام النظام الإسلامي في إيران، بات واضحًا أن طهران صاغت توجهها السياسي نحو المنطقة والعالم من خلال ثلاثة أدوار متداخلة: إيران الشيعية، وإيران الثورية، وإيران النووية؛ وهي أدوار تُقدَّم في خطابها وسلوكها السياسي بوصفها عناصر متكاملة في مشروع واحد، يصعب فصل أحدها عن الآخر عند تحليل السياسة الإيرانية.

لقد أثقل هذا المشروع كاهل المنطقة بالصراعات، ليتأرجح الفاعلون بين الصبر والتكيف، أو المواجهة العسكرية، أو مسارات التفاوض والاحتواء. لكن تراكم التوترات والصراعات الإقليمية قاد في النهاية إلى لحظة انفجار، تمثلت أولاً في المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل فيما عُرف بـ”حرب الإثني عشر يوماً”، ثم في الحرب الأوسع التي اندلعت لاحقًا منذ فبراير، والتي سرعان ما اتخذت طابعًا دوليًا مع انضمام الولايات المتحدة إلى مسرحها.

وقد ركزت إسرائيل على الخطرين الثاني والثالث، بينما تغافل العرب عن الثالث وصبّوا اهتمامهم على الأول والثاني.

إيران الشيعية

يرتكز الخلاف هنا على محاور عقدية وفقهية، تجلت في التحذير الشهير للملك الأردني من خطر “الهلال الشيعي” الذي يسعى لربط طهران بالمتوسط عبر بغداد ودمشق وبيروت. لكن التنافس الحقيقي مع المحيط العربي السني يكمن في “الأحقية والشرعية السياسية” بين مفهوم الولاية العابر للحدود وشرعية الدولة الوطنية، ناهيك عن الإرث التاريخي لتصادم العرب مع الفرس.

لقد أعاد الخميني صياغة هاجس الإمبراطورية الفارسية بوشاح إسلامي، ملتزماً بدور “حارس العقيدة” و”محارب المستكبرين والإمبريالية”. وعلى مدار عقود، تصدر خطاب العلماء السلفيين في وسائل الإعلام تصوير إيران كدولة “فارسية مجوسية رافضية” حاقدة على العروبة والإسلام السني، مما جمد الدبلوماسية و التنافس الاستراتيجي لصالح الصراع المذهبي .

إلا أن السعودية ومعها دول أخرى في المنطقة في السنوات الأخيرة تجاوزت هذه الصورة الأيديولوجية لصالح “الواقعية السياسية”؛ حيث انتقلت الرياض نحو “الاحتواء التفاوضي” برعاية صينية، لتضع شروطاً للتهدئة ووقف دعم مليشيات الحوثي في اليمن، تاركةً الملف النووي كـ “صراع” وجودي وقضية دولية تهم أطرافاً أخرى كإسرائيل.

إيران الثورية

انتقل التنافس إلى أبعاد جيوسياسية خطيرة مع صعود النظام الثوري، وبرز التهديد في مسارين: المد الشيعي، ومحاولة الإطاحة بالأنظمة العربية عبر “تصدير الثورة الاسلامية”. والمفارقة هنا هي “التخادم الفكري” الذي حدث بين الفكر الثوري السني (الإخواني) والفكر الشيعي الخميني، مما زاد من حالة الاضطراب الإقليمي. هذا الدور لم يكن عفوياً، بل ثبته الدستور الإيراني في المادة 154 كواجب لدعم “المستضعفين”، وهو ما مثل خطراً حقيقياً بصناعة الفوضى عبر الأيديولوجيا مقابل التفوق العسكري.

إيران النووية

بينما استغرق العرب في ملاحقة الخطر “الشيعي الثوري” ميدانياً، كان الغرب يعيد هندسة المنطقة وفق قراءة مغايرة تماماً؛ إذ تشكلت في دوائر صنع القرار في الغرب عقب أحداث 11 سبتمبر صورة تكتيكية ترى في الإسلام الشيعي نموذجاً ‘أكثر تسامحاً’ وقابلا للتفاوض مقارنة بالراديكالية السنية. هذا التحول الذهني لم يكن مجرد تنظير، بل تُرجم عملياً إلى ما يمكن تسميته بـ “هندسة الفراغ”؛ فحين تم تصوير نظام البعث العراقي في مراحل سابقة كخطر سني يجب إزالته، وُظِّفت إيران -تكتيكياً- كقوة موازنة تضمن بقاء المنطقة تحت حاجة الحماية الغربية. وهكذا، استغلت طهران هذا التسامح التكتيكي الغربي، لتقدم نفسها كشريك خفي في مكافحة الإرهاب السني، مما مكنها من بناء تفوقها الإقليمي وتوسيع نفوذها تحت سمع وبصر القوى الكبرى، التي رأت في بقاء إيران قوية ضرورة لاستدامة توازنات القوى ومصالحها الحيوية.

من ناحية أخرى، لم يضع الخطاب العربي —بشقّيه الشعبي والرسمي— ’الذرة‘ في كفة متساوية مع ’الثورة‘؛ فبينما ظل الملف النووي يُعامل كقضية تفاوضية تقنية، كان خطر المد الشيعي والنزعة الثورية هو الوقود الحقيقي المحرك للشارع وللسياسات الدفاعية العربية. ولم يكسر حدة هذا التغافل النووي العربي سوى تصريح استثنائي للأمير محمد بن سلمان حين رسم معادلة الردع القادم بقوله:

’إذا امتلكت إيران سلاحاً نووياً، سنسعى لامتلاكه‘.

هكذا ناهض الإعلام العربي “العمامة” لا “المفاعل”، مما خلق فجوة أولويات بين العواصم العربية وواشنطن.

لكن يبرز التساؤل: لماذا تلهث إيران خلف السلاح النووي؟ هل هو الفكر الديني أم استراتيجية بقاء؟ الحقيقة أن النووي هو ضمانة وجود؛ فالنظام الإيراني يرى في القنبلة درعاً يحميه من مصير صدام حسين أو القذافي. وبذات المخيال، تتشارك إيران وإسرائيل في سرديات “المظلومية” (كربلاء مقابل الهولوكوست)، وتسعى كل منهما لامتلاك حق التفوق والانتقام عبر السلاح النووي والسيطرة.

بينما دعا الملك عبدالله بن عبدالعزيز سابقاً لـ “قطع رأس الأفعى”-النظام الإيراني- ولم يكترث له الغرب، كانت القنبلة النووية وأمن إسرائيل هما المحركان الحقيقيان للحرب الحالية. فإيران النووية هي التي أقنعت واشنطن بالتحرك، لا إيران الخمينية.

لقد وُضع العرب بين خيارين أحلاهما مُرّ: إما الارتهان الكامل لضمانات أمنية أمريكية للتصدي لإيران، أو التكيف مع خطرها عبر مسارات تهدئة مرحلية. وهذا ما تجلى مؤخراً في الاستدارة السعودية نحو طهران؛ إدراكاً بأن احتواء الجار الصعب قد يكون أكثر جدوى من انتظار حماية غربية متذبذبة وتنازلات مهينة. إلا أن هذا المسار حرك في الأفق تحدياً جديداً، وهو ما يمكن تسميته بـ”لتطبيع القسري غير المباشر”؛ حيث برز التفوق العسكري الإسرائيلي الكاسح بعد أحداث 7 أكتوبر كقوة مهيمنة تنذر بفرض معادلة (معنا أو ضدنا). وفي هذا المشهد المتداخل، بدأ يتبلور في الفكر السياسي للمنطقة تصور مفاده أن الهيمنة الإسرائيلية المتصاعدة قد تكون، في المدى البعيد، أكثر تعقيداً من التمدد الإيراني؛ فبينما يظل النظام الإيراني عرضة للتآكل من الداخل أو الانكسار بعملية عسكرية، تظهر القوة الإسرائيلية كمنظومة تفوق تقني وعسكري مدعومة دولياً، تهدف لفرض سيادة دائمة تعيد صياغة المنطقة وفق مصالحها، مما يضع العرب في دورة لا تنتهي من استبدال تهديد بآخر.

نقلا عن المصدر أونلاين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى