
بما أننا نعيش اليوم موسم حوار جنوبي وبرعاية إقليمية، أودّ أن أقدّم دعوةً لكل المعنيين والمهتمين بالقضية الجنوبية وطريقة معالجتها؛ لإعادة النظر فيها وإعادة تعريفها من منظورٍ علمي أكثر. منظور يسعى إلى إعادة تعريف هذه القضية سياسيًا، وقبل ذلك حقوقيًا وتنمويًا وقانونيًا، بما يسمح بتأسيس مخرجاتٍ قادرة على تقديم حلولٍ حقيقية، لا أن تفتح الباب أمام مظالم جديدة.
ينطلق الإطار المعرفي الذي أتبناه من أن الأدبيات العلمية المعاصرة توفّر أدواتٍ واسعةً لفهم نشوء الاحتجاجات والحركات الاجتماعية، وعمليات التمرد أو الثورة، اعتمادًا على واحدةٍ من مفاهيمها وهو مفهوم الحرمان النسبي وتعدّد أشكاله.
وبمعنى آخر، لا ينبغي الاكتفاء بأخذ ما يشعر به الناس من حرمان نسبي -وهو شعور مشروع- بوصفه معطىً تفسيريًا كافيًا، بل يجب إعادة فحص هذا الحرمان ضمن إطارٍ أوسع وأشمل، من خلال تحليله لا بوصفه حالةً شعوريةً فقط، وإنما عبر معادلاتٍ كميةٍ ومؤشرات تنمويةٍ واضحة، مع مراعاة السياقين التاريخي والسياسي.
ولا أقصد هنا تجاهل المنطلقات السياسية، فهي ضرورية للغاية، غير أن التعامل معها بوصفها المفسّر الوحيد للقضية الجنوبية يُعدّ مبالغةً في تسييس القضية على حساب بعدها التنموي والهويّاتي، وهو في جوهره تهرّب من استحقاقاتٍ موضوعية، وتضخيمٍ لما هو قابل للتضخيم سياسيًا.
وبمعنى أدق، فإن إعادة فهم هذه النزعات ضرورة حتى لا تبقى محصورةً في مجرد إحساس بالحرمان النسبي غير القابل للقياس، والذي يمكن تضخيمه بخطابٍ سياسي ومطالب قد لا تكون واقعية، ولا عابرةً لكل شرائح المجتمع، بقدر ما تعبّر عن مصالحٍ نخبوية ضيقة، أو عن ترجمةٍ لفوقيةٍ جهوية سلطوية لها جذور تاريخية في الصراع حول السلطة.
فبعض النخب، بحكم امتلاكها القدرة على صناعة السردية وأدوات التعبئة والتوظيف، وتكوين “رأس مالٍ” سياسي قابل للتداول في بورصة السياسة محليًا وإقليميًا قد تستثمر واقعًا حقيقيًا من المظالم لتحقيق مطالب سياسية خاصة، لا تتناسب مع الإمكانيات ولا مع طبيعة المجتمع، ولا تؤسس لعقدٍ اجتماعي جديد، ولا تنطلق حتى من العقد الاجتماعي السابق بكل ما شابه من اختلالات.
وانطلاقًا من قناعتي بعدالة القضية الجنوبية في سياقها التاريخي الممتد منذ تحقيق الوحدة وحرب 1994 وحتى اليوم، ومن دون إطلاق توصيفاتٍ مسبقة، أرى أن هذه المرحلة تستوجب إعادة تعريفٍ جادة للقضية، لا سيما وهي اليوم تقع ضمن إطار رعاية المملكة العربية السعودية.
فالمملكة، بوصفها دولةً كبرى تحظى بثقةٍ إقليمية ودولية وقد اضطلعت بهذا الدور، معنيّةً أكثر من غيرها باستيعاب كل ما يحيط بالقضية، والسعي إلى إعادة تعريفها تعريفًا صحيحًا ومتوازنًا يضمن نجاح المعالجة.
فالغاية، كما أدركها، ليست معالجة مظالم الماضي بإنتاج مظالم مستقبلية، بل على العكس، يجب أن تكون مظالم الماضي حقيقية وموزونة وفق المعايير السياسية والحقوقية والتنموية، بما يسمح بتصحيح المسار المستقبلي والوصول إلى حلولٍ شاملة ومستدامة.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال النظر إلى القضية الجنوبية ضمن سياقٍ أوسع لما حدث في البلاد عمومًا. إذ ينبغي أن تُجمع المزاعم وتُدرج في قاعدة بياناتٍ شاملة، تُحلَّل لاستخراج أنماط توزيع الموارد، وهندسة الحكم، وإعادة تقييم الأوضاع التنموية في المحافظات التي تنطلق منها دعوى المظلومية.
كما يجب إعادة فهم حالات الإقصاء والتهميش الوظيفي التي تعرّض لها ضباط وموظفون من المحافظات الجنوبية ضمن سياقٍ كمي أوسع، مرتبط بأداء الدولة وسياساتها العامة، وبحالات التهميش والإقصاء في مختلف أنحاء البلاد.
وعندها فقط يمكن وضع القضية الجنوبية في إطارٍ حقوقي ووطني شامل، يتيح قياس المظالم نسبيًا وموضوعيًا، ومعرفة موقعها الحقيقي ضمن مجمل ما شهدته البلاد، بعيدًا عن التوظيف السياسي الضيق، وقريبًا من العدالة والمعالجة المستدامة.
لذا اقترح أربع مسارات تحليلية:
أولًا: المسار القانوني
يُعنى بتحليل الاختلالات التي وقعت في إطار القوانين السارية، وإبراز أوجه الحيف أو سوء التطبيق، والعمل على معالجة هذا الجانب ضمن رؤيةٍ قانونية تصحيحية. سبق ولان طرحت حلولًا في إطار مؤتمر الحوار وعولجت ماليًا بعض المظالم.
أشدد على أن تقييد البعد الحقوقي بما تعرض له ضباط وموظفون مدنيون من تعسفٍ هو قصورٍ لا يسمح باستيعاب الفرص التي فاتت على جيلٍ لاحق بسبب سوء الحكم.
كما يبرز هنا بعدٌ حقوقي ينبغي فحصه بدقةٍ لأجل رسم مسار عدالةٍ انتقالية متكامل، إذ شهدت مناطق عدة انتهاكاتٍ وخطابات تحريضٍ وعنفٍ ثقافي ممنهج. ويُلاحظ وجود ميلٍ لحصر القضية الجنوبية في الفترة ما بعد حرب 1994 حتى عام 2011، في حين شهدت المرحلة اللاحقة تطورات جديدة، أبرزها بروز كيان سياسي – أمني جنوبي “المجلس الانتقالي” ارتُكبت في سياقه انتهاكات بحق الأفراد وممتلكاتهم، وممارسات أمنية لا إنسانية، ينبغي أن تُدرج ضمن التقييم القانوني الشامل.
ثانيًا: المسار التاريخي – السياسي
يُعيد تفسير الشراكة السياسية على ضوء اتفاقية الوحدة، ويُبرز أوجه الافتراق عنها. وتمثل هذه النقطة مدخلًا مهمًا لإزالة كثير من الملابسات المتعلقة بعدالة أو جور اتفاقية الوحدة، ومسار الدولة اليمنية، بما قد يجنب اليمن عثراتٍ مستقبلية.
كما يتطلب هذا المسار قراءة تجربة الوحدة منذ نشوء الدولة الحديثة، وفرز ما حدث خلال العقود الثلاثة التي سبقت توقيع الاتفاق، لإظهار حضور المسار الوحدوي في الوجدان العام، والتخلص من اختزال الوحدة في لحظةٍ مزاجيةٍ أو في كونها هروبًا من إخفاقات النظام السياسي آنذاك.
ثالثًا: المسار التنموي – الاقتصادي
يقوم على مقارنةٍ تنموية قبل وبعد الوحدة، من خلال تحليل مؤشرات التنمية، وآليات توزيع الموارد، ونصيب الفرد منها، بالقياس إلى سياسات الاستثمار في موازنة الدولة وتوزيع الدخل العام.
كما ينبغي إعادة تقييم المشاريع التنموية قياسًا بإيرادات كل محافظة، ومؤشرات النمو في استحداث مشاريع والمقارنة بين المحافظات.
ولا ينبغي حصر مفهوم التنمية في البعد الاقتصادي فقط، بل يجب أن يشمل الأبعاد الاجتماعية والسياسية. كما لا بد من دراسة التحولات الاقتصادية التي طالت مجمل اليمنيين، وإعادة قراءة خريطة الفقر استنادًا إلى الإحصاءات المتاحة، خاصةً في ظل توحيد نظامين اقتصاديين مختلفين، وانتقال الدولة إلى نمطٍ ليبرالي في ظل ضعف الحوكمة، على حساب نمطٍ اشتراكي كانت فيه الدولة الفاعل الاقتصادي الرئيسي.
رابعًا: المسار السياسي
يحلّل طبيعة نظام الحكم في عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ويفكك آليات السلطة الحزبية والجغرافية والطبقية، ويكشف أنماط الانحرافات السياسية من حيث الجغرافيا وتراكم السلطة. كما يستوجب تحليل سلوكيات أركان السلطة تجاه المال العام، والحقوق، والملكيات الخاصة، حيث ستظهر انتهاكات واسعة في مختلف أنحاء البلاد تستحق مقاربةً مقارِنة.
وينطلق الافتراض الذي أقدّمه من أن نظامًا فاشلًا، شبه ديكتاتوري، قائم على “أوليغارشية” وتحالفات سلطة، هو من أوجد مظالم واسعة شملت عموم البلاد، لا منطقة بعينها فقط. وإن كشف هذه المظالم على نحوٍ كمي وموضوعي كفيل بإعادة موضعة كل القضايا -بما فيها القضية الجنوبية- ضمن إطارٍ صحيح، يفتح الباب لمعالجة عادلة ومستدامة.
إن الذهاب نحو مستقبلٍ يسمح ببناء دولة قانون ودولة قابلة للحياة، يقتضي تأسيس معالجات لا تمس عملية بناء الدولة ولا تخلق عثرات في طريقها، بما يعوق تحقيق الاستقرار.
فإثقال جهاز الدولة ومؤسساتها الأمنية بأعداد هائلة من الموظفين لا ينسجم مع المعايير الحديثة لبناء الوظيفة العامة، ولا مع حجم السكان، من شأنه أن يخلق أزماتٍ بنيويةً مستقبلية.



